السوية أو يكون الروحاني أقوى أو يكون النفساني أقوى القسم الأول وهو أن يكون الباعث رحمانيا فقط وهذا لا يتصور إلا من محب للَّه مستغرق الهم به بحيث لم يبق لحب الدنيا في قلبه مقر حتى لا يحب الأكل والشرب بل يكون رغبته فيه في قضاء الحاجة من حيث أنه ضرورة الجبلة فلذلك لا يشتهي الطعام لأنه طعام بل لأنه تقوية على عبادة اللَّه تعالى فمثل هذا الشخص لو أكل أو شرب أو قضى حاجته كان خالص العمل في جميع حركاته وسكناته فلو نام مثلا ليستريح بنفسه فيقوى على العبادة كان نومه أيضا عبادة.
وأما القسم الثاني وهو أن يكون الباعث نفسانيا فهذا لا يتصور إلا من محب للنفس والدنيا مستغرق الهم بهما بحيث لم يبق لحب اللَّه تعالى في قلبه مقر وكما أن في القسم الأول لما غلب حب اللَّه وحب الآخرة على قلبه اكتسبت جميع حركاته وأفعاله تلك الصفات.
فلم تسلم له شيء من عباداته، وهذان القسمان لا يخفى حكمهما في الثواب والعقاب وأما الأقسام الثلاثة الباقية فنقول: أما الذي يستوي الباعثان فيه فالأظهر أنهما يتعارضان ويتساقطان، ويصير ذلك العمل لا له ولا عليه.
وأما الذي يكون أحد الطرفين فيه أغلب فيحبط منه ما يساوي الطرف الآخر، وتبقى الزيادة موجبة أثرها اللائق، وذلك هو المراد بقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [1] .
وتمام التحقيق فيه: أن الأعمال لها تأثيرات في القلب فإن خلي المؤثر عن المعارض خلي الأثر عن الضعف، وإن كان المؤثر مقرونا بالمعارض فإن تساويا تساقطا وإن كان أحدهما أغلب فلا بد وأن يحصل في الزائد بمقدار الناقص
(1) الزلزلة: (7) .