واعلم أن الّذي روى عنه عليه الصلاة والسلام لا تفضلونى على يونس بن متى» فهو محمول على هذا المقام، وذلك لأن النفى الّذي أشار إليه سيدنا محمد من فوق العرش فقال «أنت كما أثنيت على نفسك» هو الّذي أشار إليه يونس في قعر البحر: «لا إله إلا أنت» فكل واحد منهما مخاطب للرب بقوله «أنت» فقال عليه الصلاة والسلام: لا تفضلونى عليه في القرب من اللَّه لأجل أنى كنت فوق العرش وكان هو في قعر البحر فإن المعبود منزه عن المكان والجهة، فلم يكن الصعود على العرش سببا لمزيد القرب ولا التسفل في قعر البحر سببا لمزيد البعد، وهذا من أصدق الدلائل على كونه سبحانه منزها عن الجهة؛ لأن محمدا خاطبه بقوله أنت وهو في أطباق السموات، والمؤمنون خاطبوه بقولهم أنت وهم في الأرض، ويونس خاطبه بقوله أنت وهو في قعر البحر، ولو كان في جهة ومكان لما كان كل هؤلاء على اختلاف درجاتهم في المكان حاضرين، فلما كان الكل حاضرين ظهر أن المعبود مقدس عن المكان والجهة، وأما كلمة هو فقد عرفت أنها مختصة بالغائبين، واعلم أن هذا الاسم في غاية الشرف والجلالة في حق الحق سبحانه، ويدل عليه وجوه:
الحجة الأولى: أن الأسماء إما أن تكون من باب الأسماء المشتقة، أو من باب اسماء الأعلام، أو من باب المضمرات، أما الأسماء المشتقة فإن نفس تصورها لا يمنع من الشركة، وكل اسم دل على ذاته المخصوصة من حيث إنها هى، وأما أسماء الأعلام فقد قالوا إنها قائمة مقام الإشارة؛ فلا فرق بين قولك يا أنت، ويا هو، وإذا كان العلم قائما مقام الإشارة كان العلم فرعا، واسم الإشارة أصلا، والأصل أشرف من الفرع، فيلزم أن يكون قولنا يا أنت ويا هو، أشرف الأسماء بالكلية.
الحجة الثانية: أنا قد بينا أن حقيقة الحق سبحانه منزهة عن جميع أنحاء التركيبات، والفرد المطلق لا يمكن نعته، لأن وصف الشيء بالشيء يقتضي حصول