الهاء، والواو ساقط بدليل أنه يسقط عند التثنية والجمع، فيقال هما، هم، فالهاء حرف واحد تدل على الواحد الحق، وليس لشيء من الأشياء هذه الخاصية، ألا ترى أنه تعالى خلق جميع الأعضاء أزواجا، كاليدين، والرجلين، ومدخل الغذاء والهواء ومخرجهما، ثم خلق القلب واحدا، لأنه محل المعرفة، وخلق اللسان واحدا لأنه محل الذكر، وخلق الجبهة واحدة لأنها محل السجود، وكانت هذه الأعضاء أشرف من غيرها بهذا السبب، وكذا الهاء في قولنا هو.
الثاني: الهاء حرف حلقى، وهو أدخل الحروف الحلقية في الحلق، والواو حرف يتولد عند التقاء الشفتين، فمخرج الهاء أول مخارج الحروف، ومخرج الواو آخر مخارجها، وأيضا الهاء باطن، والواو ظاهر، فهذان الحرفان لكونهما متولدين في أول المخارج وآخرها يصدق عليهما كونهما أولا وآخرا ولكون أحدهما في داخل الحلق، والآخر في ظاهر الشفة يصدق عليهما كونه ظاهرا وباطنا، فلما كان هذا الاسم دالا على الحق سبحانه وتعالى لا جرم كان أولا آخرا ظاهرا باطنا.
الثالث: أنا وإن عرفنا أن الهاء حرف حلقى لكن مخرجه على التعيين غير معلوم البتة، فهذا الحرف الّذي وضع لتعريف الحق سبحانه وتعالى مخرجه غير معلوم، وكيفيته غير معلومة، فذات الحق سبحانه وتعالى أولى أن يكون منزها عن الكيفية والأينية.
الرابع: أن لفظة هو مركبة من حرفين؛ فكانت سببا لحصول المعرفة، وهذا ينبهك على أنه لا سبيل إلى إثبات وحدانيته إلا بزوجية ما سواه؛ فقال في بيان أن غيره زوج «وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ» وقال تعالى في بيان كونه أحدا «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» [1] «وَإِلهُكُمْ إِلهٌ احِدٌ» [2] .
(1) الآية (1) من سورة الإخلاص.
(2) جزء من الآية (263) من سورة البقرة.