والمكاشفة كالشيء الّذي يراه الرائى بين النوم واليقظة، والمشاهدة كالشيء الّذي يراه الرائى حال اليقظة، ثم كما أن الرؤية في اليقظة يختلف حالها بسبب القرب والبعد، وصفاء الهواء وظلمته، وكثرة الموانع وقلتها، وقوة البصر وضعفه، فكذا هاهنا.
والمثال الثاني: أن المحاضرة تشبه الجلوس على باب عتبة الملك وراء الباب والمكاشفة تشبه دخول الدار، والمشاهدة تشبه الوقوف في الموضع الّذي لا يكون بينك وبين المطلوب حجاب، سئل ابن دينار: متى يشهد العارف الحق؛ فقال إذا تجلى المشاهد، وفنيت الشواهد، وبطل الاختصاص، واضمحل الإخلاص.
واعلم أن هذا المقام لما كان في غاية العلو كان الفتور فيه من أعظم الذنوب، قال عليه الصلاة والسلام: «إنه ليغان على قلبى وإنى لأستغفر اللَّه في اليوم والليلة سبعين مرة» وفي هذا الحديث وجوه.
الأول: المراد منه ما يغشى قلبه من غفلة، أو يعترضه من فترة بحكم الجبلة البشرية فكان عند ذلك يفزع إلى الاستغفار.
والثاني: أنه كان عليه السلام أبدا في الترقى، فإذا انتقل إلى درجة أخرى نظر إلى الدرجة المنتقل عنها، فكان يستحقرها في العبودية، فيستغفر اللَّه منها.
والثالث: ربما لاح له شيء من جلايا عالم الغيب فيستعظم تلك الدرجة، ويبتهج بها، ثم كان يصير استعظامه لها، وابتهاجه بها شاغلا له عن الاستغراق في خدمة الحق، وكان يستغفر اللَّه منه.
الرابع: كلما لاح له شيء من عالم الغيب كان يعلم أن الّذي لاح له إنما لاح بقدر قوته وطاقته، وكان يعلم أن قدر عقله وطاقته بالنسبة إلى جلال اللَّه كالعدم فحينئذ يعلم أن الّذي لاح له من عالم الغيب بالنسبة إلى ما لم يلح له كالعدم بالنسبة للوجود، فكان يستغفر اللَّه من أن يصفه بما يصل إليه قلبه، وعقله وفكره. وذكره وخاطره.