واحتج الأولون: بأنه يصلح أن يقال: رحمته وما أنعمت عليه، وأن يقال:
أنعمت عليه وما رحمته، وذلك يدل على أن الرحمة ليست اسما لذلك الفعل، ألا ترى أن من رأى إنسانا في بلاء وشدة، وأراد أن يدفع ذلك البلاء عنه، ولم يقدر عليه صح أن يقال: إنه رحمه ولكنه ما قدر على أن ينفعه، وقد يقال أيضا:
دفعت البلاء عنه، وإن كنت ما رحمته؛ فهذا النفى والإثبات يدل على أن الرحمة نفس الإرادة لا الفعل.
واحتج من قال: إن الرحمة اسم للخير بوجوه.
أحدها: أنه تعالى سمى الخير رحمة، فقال: «يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ» [1] وسمى المطر رحمة، فقال: «وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ» [2] وهذا يدل على أن الرحمة اسم للنعمة لا لإرادة النعمة.
الثاني: أنه يجوز وصف الرحمة بما لا يجوز وصف الصفات الأزلية به، فوجب أن لا تكون الرحمة عبارة عن الصفة الأزلية.
بيان المقام الأول: أنه يقال هذه الرحمة عامة، وهذه الرحمة خاصة، ولا يجوز أن يقال هذه الإرادة عامة، وهذه الإرادة خاصة، وقال تعالى: «إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ» [3] ولا يجوز أن يقال: إرادة اللَّه قريبة من المحسنين، وروى عن أبى هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال «إن للَّه مائة رحمة، وإنه أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه، فبها يتعاطفون.
وبها يتراحمون، وأخّر تسعا وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة» ومعلوم أن هذه الأحكام لا تليق بصفة اللَّه تعالى وبإرادته، وقال تعالى: «أَهُمْ يَقْسِمُون
(1) جزء من الآية (31) من سورة الإنسان.
(2) جزء الآية (57) من سورة الأعراف (48) من الفرقان.
(3) جزء من الآية (56) من سورة الأعراف.