العطب والهلاك، وعند هذا القائل النعمة المنفعة الخالصة عن الضرر المساوى أو الزائد.
أما المعتزلة: فقد اتفقوا على أن للَّه على الكافر نعما في الدين والدنيا أما النعم في الدين فهى خلق الدلائل، والأقدار، والتمكين، ورفع الموانع، وأما النعم في الدنيا فهى الصحة، واللذة.
واحتج أصحابنا على أنه تعالى لم ينعم على الكافرين بقوله تعالى «أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ. نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ» [1] فمنع أن يكون ذلك خيرا لهم، فوجب أن لا يكون نعمة، وأيضا: «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» [2] والإملاء المتعلق بالكيد المتين لا يكون نعمة، إنما النعمة ما لها عاقبة محمودة.
واحتج المخالف بقوله تعالى: «كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ. وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ» [3] فسمى ما كان لهم من اللذات، وما يؤدى إليها نعمة، وإن كان عاقبتهم الهلاك، وأيضا قوله: «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ» [4] وهذا يدل على أن للَّه في حق الكفار نعما في الدنيا.
والجواب: أنه تعالى إنما سمى ذلك نعمة صورة لا حقيقة، على معنى أنهم لو كانوا مؤمنين لكانت هذه الأشياء نعمة ظاهرا وباطنا، ولكنهم لما كانوا كافرين كانت هذه الأشياء في الظاهر نعمة؛ وفي الحقيقة ليست بنعمة، فإنها
(1) الآيتان (55) ، (56) من سورة (المؤمنون) .
(2) الآيتان (44) ، (45) من سورة القلم.
(3) الآيات (25) ، (26) ، (27) من سورة الدخان.
(4) جزء من الآية (112) من سورة النحل.