صارت سببا لبقائهم على الكفر، وتماديهم في الطغيان، واستحقاقهم العذاب الدائم، وما يكون كذلك امتنع أن يكون نعمة، بل ذلك بمنزلة الطعام المسموم للذيذ، فإن ظاهره وإن كان نعمة؛ لكن باطنه عذاب.
فإن قيل: إن ما يأكلونه ويشربونه، وما حصل لهم من الصحة والسلامة ليس شيء منها سببا للعذاب، وهم لا يستحقون عليها في الآخرة شيئا من العقاب بل إنما يستحقونه على كفرهم ومعاصيهم.
قلنا: إن استعمالهم تلك اللذات يجعلهم مستغرقين في طلب اللذات الفانية، ويصدهم عن السعادة في الآخرة، فيعود الأمر إلى ما ذكرناه.
المسألة الرابعة: اعلم أن رحمة اللَّه سبحانه وتعالى أكمل من رحمة العبادة بعضهم لبعض ويدل عليه وجوه.
الأول: أن حصول الرحمة في قلب العبد بدلا عن القسوة والغلطة أمر جائز الموجود، والمحدث الجائز لا يوجد إلا لمرجح ومخصص، وهذا يقتضي القطع أن خالق تلك الرحمة في قلب العبد هو اللَّه سبحانه وتعالى، فلو لا رحمة اللَّه تعالى لما خلق الرحمة في قلب العبد، فثبت أن رحمة اللَّه تعالى أكمل وأقدم من رحمة العبد.
الحجة الثانية: أن العبد عالم يحصل في قلبه نوع رقة لم يرحم، فإذا تأمل المتأمل أن مقصود العبد من تلك الرحمة إنما هو دفع تلك الرقة الحسية عن القلب، فهو بالحقيقة إنما يرحم غيره ليتخلص عن ألم تلك الرقة، والحق منزه عن الرقة، ولا تكون رحمته لهذا المعنى؛ بل رحمته بمحض الفضل والإحسان، ولتحقق هذا الكلام بالأمثلة.
فالأب إذا أحسن إلى ولده فهو في الحقيقة إنما أحسن إلى نفسه، لأنه إذا اختلت مصالح الولد تألم قلب الوالد، فإذا أحسن إلى الولد انتظمت مصالحه،