فزال ذلك الألم عن قلب الولد، فالأب إنما أحسن إلى الابن لتحصيل هذا المقصود لنفسه.
والسيد إذا أحسن إلى عبده فإنما أحسن إليه لينفعه، فيجد منه ربحا أو ليقوم بخدمته، فيكون مقصود السيد من ذلك الإحسان إلى العبد إنما هو تحصيل مصلحة نفسه.
والإنسان إذا وهب، وتصدق، وزكى، فإنما يفعل ذلك ليشتهر فيما بين الخلق بكونه جوادا كريما، أو ليفوز في الآخرة بالثواب، ويتخلص من العقاب، فهو بالحقيقة إنما أحسن لغرض نفسه.
أما الحق سبحانه وتعالى فإنه كامل لذاته، منزه عن وجوه النقائص والآفات فكان إحسانه بمحض إيصال النفع إلى الغير لا لغرض يعود إليه من جلب نفع أو دفع ضرر، فكان الجواد المطلق، والرحيم المطلق، والمحسن المطلق، هو الحق سبحانه وتعالى.
الحجة الثالثة: أن العبد قد يرحم عبدا آخر، أو يحسن إليه؛ ولكن الانتفاع بذلك الموهوب لا يكمل إلا عند العين الباصرة، والأذن السامعة، والمعدة الهاضمة، والصحة في البدن، فهب أن الأمير أعطى الدار الحسنة، والبستان الطيب، فلو لا أنه تعالى خلق الصحة. والحواس السليمة لما أمكن الانتفاع بها.
ومن المعلوم أن هذه الأشياء أعظم قدرا، وأجل خطرا من الأشياء التى يهبها بعض العباد من بعض.
وتأمل الآن في أصل جميع النعم: وهى الحياة في الصحة، ثم في سلامة الأعضاء والحواس، ثم في كمال العقل، ثم في تحصيل الأمن والسلامة من البلاء، فإنك تجد في كل ذرة من ذراتها أعظم من ملك الدنيا، فحينئذ يعلم أن رحمة اللَّه،