فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 372

وإحسانه مع عبيده أتم وأكمل من رحمة كل رحيم، كما قال تعالى: «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» [1] فثبت أن كمال الرحمة ليس إلا للَّه.

الحجة الرابعة: أن العبد إذا أحسن إلى الغير انتقصت خزائنه، وصار فقيرا بقدر ما أعطى، وحصول الفقر والنقصان مانع من الإحسان، والحق سبحانه وتعالى وإن أعطى جميع مخلوقاته، لأقل عبيده، فإنه لا يدخل في ملكه فقر.

ولا نقصان البتة، لأن مقدوراته غير متناهية، فإذا الداعي إلى الإحسان في حق العبد معارض بالصارف عنه، وفي حق اللَّه تعالى ليس كذلك فوجب أن يكون إحسان اللَّه تعالى ورحمته أكمل من إحسان العبد ورحمته.

فإن قال قائل: هاهنا سؤالات. السؤال الأول: الرحمة في حق العبد لا تنفك عن رقة مؤلمة تحصل في قلب الرحيم، فتحركه إلى قضاء حاجة المرحوم، والرب تعالى منزه عن ذلك، وإذا كان الأمر كذلك لزم أن تكون رحمة العباد أكمل من رحمة اللَّه؟

الجواب: أن كمال الرحمة إما أن تظهر بكمال ثمرتها، ومهما قضيت حاجة المحتاج بكمالها لم يكن للمرحوم حظ في تألم الراحم، وتفجعه، وإنما تألم الراحم لضعف نفسه ونقصانها، ولا يزيد ضعفها في غرض المحتاج شيئا، بعد أن قضى كمال حاجة المرحوم.

السؤال الثاني: ما معنى كونه رحيما، وكونه أرحم الراحمين، فإن الرحيم إذا رأى مبتلى أو معدوما، وهو يقدر على إزالة البلاء عنه فإنه لا بد وأن يزيله، والرب سبحانه وتعالى قادر على إزالة كل محنة، ودفع كل بلية، ثم نرى الدنيا طافحة بالشرور والآفات، والمحن والبليات، وهو تعالى قادر على إزالتها، ثم إنه لا يزيل شيئا منها، بل نرى أنه خلق السباع والمؤذيات، وسلط بعضها على بعض

(1) جزء من الآية (24) من سورة إبراهيم، (18) من سورة النحل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت