فهرس الكتاب
حتى أن بعضها يقتل بعضا، وبعضها يقتدى من بعض، فكيف تتحقق الرحمة مع أن الأمر كذلك؟
والجواب: الخلق هاهنا على ثلاثة مقامات:
الأول: قول الفلاسفة: فإنهم قالوا الأقسام العقلية خمسة، فإن الشيء إما أن يكون خيرا محضا، أو شرا محضا، أو مشتملا على الاعتبارين، وهذا القسم الثالث إما أن يكون خيره معادلا لشره، وإما أن يكون خيره غالبا أو شره غالبا.
إذا عرفت هذا فنقول:
أما الأقسام الثلاثة، وهو الّذي يكون شرا محضا؛ أو شره غالبا؛ أو معادلا فهذا غير موجود البتة؛ بقى هاهنا قسمان: أحدهما: أن يكون خيرا محضا:
ولا كلام في أن الحكمة تقتضى تحصيله، والثاني: الّذي يكون خيره غالبا على شره ويكون بحيث يمتنع أن ينفك ذلك الخير الغالب عن ذلك الشر المغلوب؛ فهذا القسم أيضا الحكمة تقتضى إيجاده؛ لأن ترك الخير الكثير؛ لأجل الشر القليل شر كثير؛ وإذا كان الأمر كذلك صار الخير مقضيا؛ ومراد بالذات، وصار ذلك الشر القليل الّذي هو من لوازم ذلك الخير الكثير مقضيا، ومرادا بالتبع، والغرض، وعند هذا قالوا جميع الشرور الحاصلة في العالم من هذا القسم.
وليس لأحد أن يقول فلم لم يجعل الخالق القادر ذلك الخير الغالب عن ذلك الشر النادر؛ مميزا بما كان ممتنعا لذاته؛ فلم يكن ذلك عجزا في حق الخالق، لأن العجز، إنما يحصل عند كونه في نفسه ممكنا، فأما إذا كان ممتنعا لذاته لم يلزم العجز، فهذا حاصل مذهب الفلاسفة في هذا الباب.
والقول الثاني: قول المعتزلة: وهو أن كل ما حصل في هذا العالم من أنواع الأمراض والآلام فعل اللَّه تعالى، فإنه سبحانه وتعالى فعلها لأجل الاعتبار والعوض، أما الاعتبار فإن ذلك يصير لطفا داعيا للمكلف إلى فعل الواجبات، والاحتراز عن المقبحات، وبهذا الوجه يخرج فعل هذه الآلام عن كونه عبثا،