فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 372

وأما العوض فهو تعالى يعطى ذلك الحيوان في الآخرة من المنافع، ما لو علم ذلك الحيوان مقادير تلك المنافع رضى بتحمل هذه الآلام في الحال، ليصل إلى تلك المنافع فيما بعد ذلك، وبهذا الوجه يخرج فعل تلك الآلام عن أن يكون ظلما.

القول الثالث: قول أهل السنة: وهو أن الرحيم هو الّذي يفعل الرحمة، ويوصل النعمة، وليس من شرط كونه رحيما أن لا يفعل إلا الرحمة، فهو تعالى رحيم، كريم، جواد، ودود، رءوف في حق بعض عباده. وقهار جبار منتقم في حق آخرين. فهو تعالى قابض، باسط: ضار، نافع، معز، مذل، محيى، مميت. بحسب الاعتبارين. ولم تكن رحمته وإحسانه معللا باستحقاق مستحق أو بسبب طاعة مطيع، ولم يكن قهره معللا باستحقاق مستحق، أو بسبب معصية عاص. فإنه وإن كان التفاوت في القهر واللطف لأجل التفاوت في الاستحقاق؛ فمن أين حصل ذلك التفاوت في الطاعة والمعصية؟ فلم صار هذا مطيعا وذاك عاصيا مع التساوى في القدرة والصلاحية؟ بل كل أحد يعلم أن هذا صار مطيعا. لأنه تعالى خلق في قلبه ما يدعوه إلى الطاعة. وإنما صار العاصى عاصيا. لأنه تعالى خلق في قلبه إرادة المعصية. وعند هذا يظهر أنه لا نهاية لرحمته. ولا نهاية أيضا لقهره. وأن رحمته غير معللة البتة بشيء من أفعال الخلق، وقهره غير معلل بشيء من أفعال الخلق. وأن كل ما حصل للخلائق من صفاتهم وأفعالهم وأحوالهم فهو من الحق وبإيجاده وتكوينه، وكيف يمكن تعليل فعله؟!

ولهذا المعنى قال أبو بكر الواسطى: لا أعبد ربا ترضيه طاعتى، وتسخطه معصيتى، ومعناه أنه لو صارت طاعة العبد علة لحصول رضا الخالق، وذنبه علة لحصول سخط الخالق، لكان العبد مغيرا لصفة الحق، ومؤثرا في تبديل أحوال الحق، وذلك محال، بل رضاه هو الّذي حمل المطيعين على الطاعات، وسخطه هو الّذي حمل العصاة على المعاصى، وكل شيء صنعه، ولا علة لصنعه. هذا شرح مذاهب الخلق في هذا الباب.

السؤال الثالث: قالت المعتزلة: إن إثبات صفة الرحمة لا يستقيم على قول أهل السنة، وذلك لأن مذهبهم أنه تعالى خلق الكفر في الكافر، وخلق فيه قدرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت