وثالثها: ملوك اليونانيين، وهم يسدون باب اللذات على نفوسهم، ويفتحونه على رعيتهم، قالوا: لأن الملك في الأرض نائب اللَّه في العالم، وإله العالم يطعم ولا يطعم، وينفع ولا ينفع، وكان الملك السعيد من يكون متشبها بالإله في هذه الصفة.
ورابعها: ملوك الأعاجم، وهم يفتحون باب اللذات الجسمانية على أنفسهم ويسدونها على رعاياهم وهؤلاء هم نواب الشياطين.
وإذا عرفت هذه الحكاية ظهر لك أن كمال رحمة الإنسان هو أن يسعى في إيصال نفع إلى الغير، ودفع ضرر عنه، ولأجل كمال هذه الصفة، قال عليه الصلاة والسلام «التعظيم لأمر اللَّه والشفقة على خلق اللَّه» وكان في آخر حياته يقول «الصلاة وما ملكت أيمانكم» وكان بعض المشايخ يقول: مجامع الخيرات محصورة في أمرين، صدق مع الحق، وخلق مع الخلق.
وهذه المقدمة برهانية، لأن الموجود إما واجب وهو الحق سبحانه، وإما ممكن وهو الخلق، وكمال العبودية في حضرة الحق أن يصير العبد مكاشفا، فإن الحكم والأمر له. لا لغيره، كما قال، «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ» [1] وكمال العبودية للَّه بالنسبة إلى الخلق، والإحسان إليهم لأجل الحق، واللَّه أعلم.
ومما يؤكد أن هذه المرتبة أعظم المراتب، أنه تعالى وصف رسوله عليه الصلاة والسلام بالرحمة فقال: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» [2] وقال «بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» [3] وقال: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» [4] .
(1) جزء من الآية (4) من سورة الروم.
(2) الآية (107) من سورة الأنبياء.
(3) جزء من الآية (128) من سورة التوبة.
(4) جزء من الآية (159) من سورة آل عمران.