أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ» [1] .
وأعلم أن من عرف هذه الأحوال تخلص عن مساكنة الأشباح، وانفرد بمالك النفوس والأرواح، وقطع رجاءه عن الخلائق، وسلم عن الآفات والعلائق، ولهذا المعنى قال بعض المشايخ: أيجمل بالحر المريد أن يتذلل للعبيد، وهو يجد من مولاه ما يريد.
وقال سفيان بن عيينة: بينا أنا أطوف بالبيت، إذ رأيت رجلا وقع في قلبى أنه من عباد اللَّه المخلصين، فدنوت منه، فقلت: هل تقول شيئا ينفعنى اللَّه به؟ فلم يرد عليّ جوابا، ومشى في طوافه، فلما فرغ صلى خلف المقام ركعتين، ثم دخل الحجر فجلس، فجلست إليه فقلت: هل تقول شيئا ينفعنى اللَّه به؟ فقال:
هل تدرون ما قال ربكم؟ قال: ربكم: أنا الحى الّذي لا أموت هلموا أطيعونى أجعلكم أحياء لا تموتون، أنا الملك الّذي لا أزول هلموا أطيعونى أجعلكم ملوكا لا تزولون، أنا الملك الّذي إذا أردت شيئا قلت له كن فيكون ها أطيعونى أجعلكم إذا أردتم شيئا قلتم له كن فيكون، قال: ثم نظرت فلم أجد أحدا فظننت أنه الخضر عليه السلام.
وحكى أن بعض الأمراء قال لبعض الصالحين: سل حاجتك. قال: أولى تقول ولى عبدان هما سيداك؟! قال: ومن هما؟! قال: الشهوة والغضب غلبتهما وغلباك، وملكتهما وملكاك.
وقال بعضهم في تفسير قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام «رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ» [2] يريد القدرة على النفس، ثم قال بعده «وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ» يريد به العلم والحكمة، فالأول إشارة إلى إصلاح القوة العملية،
(1) الآيتان (97) ، (98) من سورة (المؤمنون) .
(2) جزء من الآية (101) من سورة يوسف.