فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 372

تمد الجهل بالعجلة، ثم إن الروح تبعث العفة، والنفس تبعث الفجور، ثم إن الروح ترشد إلى الزهد في الدنيا، والنفس تزين أنواع اللذات في الدنيا، ثم إن الروح تبعث كتب الحجة، والنفس تبعث صحف الشبهة؛ ولا يزال مجاء من جانب الروح أصناف الأخلاق الطاهرة الروحانية النورانية، ومن جانب النفس أصناف الأخلاق الردية الشهوانية الظلمانية، ثم تقف الروح فيما بين عساكره، والنفس فيما بين عساكرها، ثم تجيء أفواج الملائكة العلوية المقدسة، لمعاونة الروح وعساكره، ويحضر أفواج المردة والشياطين السفلية لمعاونة النفس وعساكرها، ويتقابل الصفان، ويتنازع الفريقان، ويشتد الخصام، ويرتفع الغبار، ولا يزال يبقى ذلك النزاع والدفاع، ولا يزول الخصام واللطام، إلا عند المدد الروحانى، والتوفيق الربانى، فإن جاء نسيم العناية والإعانة من مشرق الهداية، واستولى سلطان الروح على سلطان النفس وقهره، وأباد جمعه، وفرق شمله، وتخلص له هذه المملكة، ولئن جاءت ظلمات الخذلان من مغرب القهر والكبرياء، استولى سلطان النفس على سلطان الروح، وقهره، وأخرجه من المملكة، وامتلأت المملكة من رايات الشياطين، وأعلام الأباطيل.

واعلم أن هذه المنازعة إنما تحصل بين الملوك في الأدوار والأعصار مرة واحدة، فأما بين النفس والروح ففى كل ساعة تحصل هذه المخاصمة مرات، فتارة تكون الغلبة للروح، وأخرى للنفس، فلهذا السبب يرى الإنسان الواحد ملكا في هذه الساعة، شيطانا في ساعة أخرى، فلا جرم لم يستعن الإنسان طول عمره غير الاستعانة بهداية اللَّه، فلا جرم قال الخليل عليه السلام «رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ» [1] وقال الكليم عليه السلام «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي» [2] وقال الحق سبحانه وتعالى للحبيب عليه الصلاة والسلام «وَقُلْ رَب

(1) الآية (83) من سورة الشعراء.

(2) الآيتان (25) ، (26) من سورة طه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت