فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 372

ونظيره قوله «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» [1] وقوله «وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ» [2] .

المسألة الثامنة: العبد لا يتصور أن يكون ملكا مطلقا، فإنه ممكن لذاته، والممكن لذاته محتاج لذاته، فزوال الحاجة غير ممتنع عقلا، وكما أنه يمتنع عقلا أن يستغنى عن اللَّه يمتنع عقلا أن يفتقر إلى غير اللَّه، لأن غير اللَّه محتاج، والمحتاج في ذاته كيف يقدر على دفع الحاجة عن غيره، بل إن قدر فإنما يقدر بأقدار اللَّه تعالى عليه، وحينئذ يكون الدافع لتلك الحاجة في الحقيقة هو اللَّه لا العبد، إذا عرفت هذا فالعبد لا يمكن أن يكون ملكا إلا من وجهين.

الأول: أنه إذا انقطعت حاجته عن غير اللَّه كان ملكا مطلقا، وتمام هذا المقام إنما حصل لمحمد عليه الصلاة والسلام، ولذلك قال تعالى في صفته، «ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى» [3] وقال عليه الصلاة والسلام «خيرت بين أن أكون عبدا نبيا أو ملكا نبيا فاخترت العبودية» .

وبالجملة فمن كان اللَّه له كان كل شيء له، ومن لم يكن اللَّه له لم يكن له شيء، وذلك لأن من كان اللَّه له فالأصل له، ومن كان الأصل له كان الفرع له لا محالة.

أما من كان له غير اللَّه كان الفرع له، ومن كان الفرع له لا يحصل الأصل له، وإذا لم يحصل الأصل له يزول أيضا كون ذلك الفرع له؛ فلهذا قال عليه الصلاة والسلام «إذا سألت فاسأل اللَّه وإذا استعنت فاستعن باللَّه» .

الوجه الثاني: هو أن هذا القلب شبه المملكة، وسلطانه هو الروح، وخصم هذا السلطان هو النفس، والمحاربة قائمة بينهما أبدا، فسلطان الروح يخرج وزير العقل، وسلطان النفس يخرج وزير الجهل، ثم إن الروح يمد العقل

(1) جزء من الآية (6) من سورة هود.

(2) الآية (22) من سورة الذاريات.

(3) الآية (17) من سورة النجم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت