فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 372

لا يتوقف تأثيرها في المقدور على آلة، كما في حق اللَّه سبحانه وتعالى كان التقدير هو نفس ذلك التحصيل والتكوين، وإن كان يتوقف على آلة مخصوصة كما في حق العبد، فإنه لا يمكنه تصوير الجسم المتباين وتشكيله إلا عند حركات الأصابع فهاهنا سميت تلك الحركات القائمة بأصابعه تصويرا وتقديرا.

والثاني: الإرادة المخصصة لذلك الشيء بذلك المقدار المعين، دون ما هو أزيد منه وأنقص منه.

والثالث: العلم بذلك القدر الخاص، وذلك لأن إرادة الشيء مشروطة بالعلم به، ثم إن كان الفاعل عالما بكل المعلومات كان غنيا في حصول ذلك العلم عن الفكرة والروية، كما في حق اللَّه سبحانه وتعالى، وإن لم يكن كذلك لم يحصل له ذلك العلم بذلك المقدار الموافق للمصلحة إلا بالفكر والروية، فهاهنا قد تسمى تلك الفكرة والروية تقديرا وتخليقا، ولكنه على سبيل المجاز، وذلك لأن التقدير عبارة عن إيقاع الشيء على قدر معين، وذلك لا يمكن إلا بعد العلم بأمرين. أحدهما: العلم بذلك القدر، والثاني: العلم بكون ذلك القدر الموافق للمصلحة.

وهذان العلمان لا يمكن حصولهما إلا بعد الفكرة فكانت الفكرة شرطا لحصول هذا العلم في حق العبد، وهذا العلم شرط لكون المريد مريدا لإيقاعه على ذلك القدر، ولكون القادر موجدا له على ذلك القدر، فكانت الفكرة شرطا لشرط التقدير لا مطلقا، بل في حق العبد، فبهذا الطريق سميت الفكرة خلقا وتقديرا، هذا هو البحث عن حقيقة التقدير وماهيته.

أما بيان أن لفظ الخلق جاء في اللغة بمعنى الإيجاد والإبداع، فيدل عليه وجوه:

الأول: قوله «إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ» [1] ولو كان الخلق هاهنا عبارة عن التقدير لصار معنى الآية إنا كل شيء قدرناه بقدر، فيكون تكريرا بلا فائدة.

الحجة الثانية قوله: «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا» [2] ولو كان الخلق عبارة عن التقدير لكان معنى الآية: وقدر كل شيء فقدره تقديرا

(1) الآية (49) من سورة القمر.

(2) جزء من الآية (2) من سورة الفرقان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت