الأول: أنا بينا أن لفظ الخلق كما ورد بمعنى التقدير، فقد ورد أيضا بمعنى الإيجاد والإبداع، وهذا المعنى ثابت في حق اللَّه تعالى.
الثاني: سلمنا أن الخلق في اللغة عبارة عن التقدير فقط، لكنا بينا أن الفكرة ليست جزء ماهية التقدير؛ بل هى شرط لشرط التقدير في حق العبد لا مطلقا، فلا يلزم من انتفاء الفكرة انتفاء التقدير.
المسألة الثالثة: معنى الخالق الباري المصور: اعلم أن قوله تعالى «هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ» [1] إما أن يكون المراد هو المقدر. أو الموجد، فإن فسرنا الخالق هاهنا بالمقدر حسن انتظام هذه الأسماء الثلاثة على هذا الترتيب، وذلك لأن التقدير يرجع حاصله إلى العلم، فنقول من قدماء الفلاسفة من ظن أنه سبحانه وتعالى لا يعلم الأشياء، بل قالوا: إنه سبحانه آنية معلة، فلفظ الخالق يدل على كونه سبحانه وتعالى عالما بحقائق الأشياء، وبجهات مصالحها.
ومنهم من سلم كونه سبحانه وتعالى عالما بحقائق الأشياء، لكنه يقول الهيولى [2] قديمة، والبارئ يتصرف في فلك الهيولى القديمة، فقوله البارئ رد على هؤلاء، فإنه يدل على كونه تعالى موجدا لها عن العدم المحض، ومبدعا لها عن النفى الصرف.
ومنهم من سلم كونه تعالى عالما بالأشياء، وسلم كونه موجدا لهذه الذوات، إلا أنه يقول صور النبات والحيوان إنما تصدر عن الطبيعة، فالطبيعة هى التى تصور كل واحد من النبات والحيوان بصورته الخاصة، وخلقته المعينة، فقوله:
«المصور» رد على هؤلاء، فالخالق يدل على كمال علمه، والبارئ يدل على كونه موجدا للذوات لا عن المادة، والمصور يدل على أنه هو الّذي صور هذه الأشياء ووضعها بكيفياتها، فمن عرف ربه بهذه الأسماء الثلاثة فقد عرف معبوده بصفات الإلهية، ونعوت الربوبية، فظهر بهذا أن هذا الترتيب في غاية الحسن والفائدة.
(1) جزء من الآية (24) من سورة الحشر.
(2) الهيولى في الفلسفة المادة الأولى، تنفعل وتحمل الصورة فتتولد الموجودات والجمع هيوليات.