ومثاله: أنه سبحانه وتعالى لما أراد أن يخلق الإنسان عاقلا فاهما متحملا لأمانة اللَّه تعالى، مخاطبا، مكلفا، فلا بد وأن يقدر تركيب ذاته بقدر مخصوص وصفات مخصوصة، ويؤلف أعضاءه على وجه مخصوص مطابق للمصلحة، والحكمة على ما يشتمل عليه كتب التشريح، ثم إذا حصل التقدير على هذا الوجه فلا بد من مادة عنها يتكون بدن الإنسان، وهى الأجسام، ولا بد من صورة بها يتكون بدن الإنسان، وهى الأمزجة والقوى والتركيبات، فهو تعالى «خالق» لأنه هو الّذي قدر كل شيء في علمه بالمقدار النافع، المطابق للمصلحة، «وَبارئ» لأنه أبدع تلك الأجسام، وأخرجها من العدم إلى الوجود، «وَمصور» لأنه تعالى هو الّذي أحدث المزاج والقوى والتراكيب في تلك الأجسام، فإذا عرفت وجه الكلام في هذه الصورة الواحدة، فاعرف مثله في جميع الأجسام العلوية، وهى الأفلاك والكواكب، وفي جميع الأجسام السفلية وهى العناصر، والمعادن والنبات، والحيوان، وخاصة الإنسان، وتأمل في كيفية تركيباتها، وتأليفاتها، حتى يقع في بحر لا ساحل له، وكل ذلك كالتفسير لكونه تعالى خالقا بارئا مصورا هذا كله إذا فسرنا الخالق بالمقدر.
أما إذا فسرناه بالموجد والمبدع فإنه يصعب تفسير البارئ: فنقول: ذكروا في تفسير البارئ وجوها.
الأول: أن البارئ هو الموجد والمبدع، يقال: برأ اللَّه الخلق يبرؤهم، والبرية الخلق، فعيلة بمعنى مفعولة، وأصله الهمز إلا أنهم اصطلحوا على ترك الهمزة فيه قال أبو عبيده الهروى: العرب تترك الهمزة من خمسة أحرف: البرية وأصلها برأت، والروية وأصلها رأوت، في هذا الأمر، والخابية وأصلها خبأت والنبوة وأصلها نبأت، والذرية وأصلها ذرأت، فعلى هذا التقدير لا فرق بين الخالق والبارئ، وهما لفظان مترادفان وردا في معنى واحد.
الوجه الثاني: أن أصل البرء القطع والفصل، قال الأخفش: يقال برئت العود وبروته إذا قطعته ونحته، وبريت القلم بغير همز إذا قطعته وأصلحته،