وأما بغير عوض فلأنه منزه عن الزيادة والنقصان، فكان فعله منزها عن الأعواض والأغراض؛ ثم نقول: هب أنه يصح من العبد أن يهب شيئا إلا أنه يمتنع أن يكون وهابا، وذلك لأن الوهاب هو الّذي كثرت مواهبه، واتسعت عطاياه، والمخلوقون إنما يملكون أن يهبوا مالا ونوالا في حال دون حال، ولا يملكون أن يهبوا شفاء لسقيم، ولا ولدا لعقيم، ولا هدى لضال، ولا عافية لذى بلاء، واللَّه سبحانه وتعالى يملك جميع ذلك، دامت عطاياه، وتوالت أياديه، فكان الوهاب هو لا غيره.
المسألة الثانية اختلفوا في تفسير قولنا إنه تعالى يملك عبيدة شيئا: فقيل معناه إخبار اللَّه تعالى عن أن ذلك الشيء ملكه، فيرجع هذا إلى كلامه فيكون من صفات ذاته.
وقيل معناه: تمكينه من ذلك الفعل، وهذا فيه نظر، لأنه ليس كلما مكنهم من شيء فقد وهب منهم ذلك الشيء، فإنه تعالى مكنهم من الكفر والمعاصى، وما وهبها منهم.
المسألة الثالثة. قالت المشايخ: الوهاب من يكون جزيل العطاء والنوال، كثير المن والإفضال، واللطف والإقبال، يعطى من غير سؤال. ولا يقطع قواله عن العبد في حال.
وقيل: الوهاب الّذي يعطيك بلا وسيلة، وينعم عليك بلا سبب ولا حيله.
وقيل: الوهاب الّذي يعطى بلا عوض ويميت بلا غرض.
وحكى: أن حاتما الأصم كان صائما، فلما أمى قدم إليه الطعام، فجاء سائل فدفع ذلك إليه، ففى الحال جاءه طبق عليه من كل لون من الأطعمة والحلوى، فأتاه سائل، فأعطاه إياه، فجاء إنسان بصرة فيها دنانير كثيرة، فصاح: الغوث الغوث من خلف، وكان في جواره إنسان يسمى خلفا، فتسارع الناس إليه، (م(15) - لوامع البينات)