ومما يدل على أن بناء فعيل للمبالغة وجوه.
الأول: أنه يقال سميع فهو سامع، ورحيم فهو راحم، أما بناء فعيل فانه لا يستعمل إلا عند قصد تأكيد الفعل، لأنا إذا قلنا سميع بصير دل على تأكيد معنى السمع والبصر، وتمكن هذا الفعل من طباع الموصوف به، كالخلق الثابت، والطبع اللازم.
الثاني: أن الغالب في القرآن لفظ العليم، والقدير، وأقل منه لفظ العالم والقادر، وهذا يدل على ما ذكرناه.
الثالث: قوله «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ» [1] فلما كان العليم أعلى من ذى العلم، دل على المبالغة.
وثامنها: العلامة، وهذا اللفظ لا يستعمل في حق اللَّه تعالى، لأنه لم يرد لا في القرآن ولا في الأخبار، بل يقال: رجل علامة إذا وصف بكثرة العلم.
كما يقال نسابة، وقوالة، وعيابة، وهو بعينه العلام، إلا أنهم أدخلوا الهاء في آخر هذه الكلمة لغرض المبالغة، وإنما لم يستعمل ذلك في حق اللَّه تعالى لأنها صفة لمن ترقى عن القلة والنقصان إلى الكثرة والكمال، بسبب التكلف والارتياض، فلهذا السبب لم يذكر هذا اللفظ في حق اللَّه تعالى.
المسألة الثانية: اعلم أن علم اللَّه تعالى مخالف علوم المحدثات من وجوه.
أحدها أنه بالعلم الواحد يعلم جميع المعلومات، بخلاف العبد.
وثانيها: أن علمه لا يتغير بتغير المعلومات بخلاف العبد.
ثالثها: أن علمه غير مستفاد من الحواس، ولا من الفكر بخلاف العبد.
ورابعها أن علمه ضرورى الثبوت، ممتنع الزوال، قال تعالى «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ» [2] وقال. «وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» [3] وعلم العبد جائز الزوال.
وخامسها: أن الحق سبحانه وتعالى لا يشغله علم عن علم، بخلاف العبد.
(1) جزء من الآية (76) من سورة يوسف.
(2) جزء من الآية (255) من سورة البقرة.
(3) جزء من الآية (64) من سورة مريم.