تُرْجَعُونَ» [1] وقوله: «أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ» [2] .
واعلم أن الحكم بهذا التفسير هو كلامه، فيكون من صفات الذات، وقد يقال أيضا: حكم لفلان بالنعمة أي أنعم عليه، وحكم على فلان بالنقمة إذا أوقعه في المحنة، فعلى هذا يكون ذلك من صفات الفعل، وقد يستعمل الحكم أيضا بمعنى الحكيم، وسيجيء بيانه.
المسألة الثانية قال أكثر العقلاء إن حكم اللَّه تعالى بجميع الكليات والجزئيات قد حصل من الأزل إلى الأبد، وأما المعتزلة: فقد سلموا ذلك في كل الحوادث إلا في أحوال الحيوانات.
لنا وجوه: الأول: أن أفعال العباد موقوفة على إرادتهم. وهى حادثة، فلا بد لها من مؤثر، والمؤثر إما أن يكون حادثا أو قديما، فإن كان حادثا كان الكلام فيه كالأزل ويفضى إلى التسلسل، ولا يمكن حصولها بنفسها بأسرها دفعة لأن وجود أسباب ومسببات لا نهاية لها دفعة واحدة محال، بل لا بد وأن يكون كل واحد مسبوقا بآخر لا إلى بداية، وهذا قول الفلاسفة الإلهيين؛ ولأجل هذا الحرف أثبتوا حوادث لا أول لها، وزعموا أن الأفلاك قديمة.
وأما إن كان المؤثر في حدوث تلك الإرادة شيئا قديما، فذلك القديم يمتنع أن يكون موجبا بالذات، وإلا لزم من قدم العلة قدم المعلول، فيلزم كون الإرادة المحدثة قديمة، وذلك محال، فلا بد وأن يكون ذلك القديم فاعلا مختارا وهذا مذهب جمهور أصحاب السنة والجماعة.
وعلى التقديرين فجميع الكليات والجزئيات مقدرة بأوقات مخصوصة، وأحوال مخصوصة، لا يجوز على المتقدم أن يتأخر، ولا المتأخر أن يتقدم،
(1) جزء من الآية (70) من سورة القصص.
(2) جزء من الآية (46) من سورة الزمر.