فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 372

فثبت أن على القولين لا بد من القطع بأن حكم اللَّه في جميع الكليات والجزئيات حاصل في الأزل، ومعلوم أن الحكم الأول لا دافع له.

الحجة الثانية: أنه تعالى علم أن بعضها يقع، وبعضها لا يقع، والعلم بالوقوع مضاد لعدم الوقوع والعلم بعدم الوقوع مضاد للوقوع، والضدان لا يجتمعان، لكن إبطال علم اللَّه محال، فإزالة هذا الضد محال، فدخول الضد الآخر في الوجود محال، فما علم أنه يقع كان واجب الوقوع، وما علم أنه لا يقع كان محال الوقوع.

الحجة الثالثة: أنه تعالى حكم على أبى لهب بأنه لا يؤمن، ومعنى هذا الحكم الإجبار، وهذا الخبر ممتنع الزوال، فكان دخول الإيمان في الوجود محالا.

هذا عمدة القائلين بثبوت الحكم المطلق في جميع الكليات، والجزئيات.

واحتجوا: بأنه لو كان الأمر كذلك لكان وقوع ما انعقد سبب وقوعه واجبا، ووقوع ما لم ينعقد سبب وقوعه ممتنعا، فيكون كل الأسباب إما واجبا، وإما ممتنعا، ولو كان كذلك لما بقى لأحد قدرة على الفعل ولا اختيار في إقدام ولا إحجام، إلا أن هذا باطل بالضرورة، فإنى أعلم بالضرورة أنى إن شئت الفعل فعلت، وإن شئت الترك تركت.

والجواب: هب أنك تجد ذلك من نفسك، فهل تجد منها أنك إن شئت مشيئة الفعل حصلت، أو مشيئة الترك حصلت. وظاهر أن الأمر ليس كذلك، وإلا لزم التسلسل، بل إذا شئت الفعل فشئت أم أبيت فعلت، وبالعكس؛ فلا حصول للمشيئة فيك بك، ولا للفعل عقيبها بك، فالإنسان مضطر في صورة مختار.

واعلم أن أظهر آيات القرآن للمعتزلة قوله: «فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» [1] ومن تأمل هذه الآية علم أنها من أقوى الدلائل على قولنا؛ وذلك لأنها تقتضى

(1) جزء من الآية (29) من سورة الكهف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت