توقف الفعل على المشيئة؛ وحصول هذه المشيئة موقوف على مشيئة اللَّه بدليل العقل والنقل، أما النقل فقوله: «وَما تَشاؤُنَ إِلا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ» [1] .
وأما العقل: فالدليل الّذي قررناه في أول هذه المسألة. وإذا كان الفعل منا موقوفا على مشيئتنا وهى موقوفة على مشيئة اللَّه تعالى لزم القطع بتوقف فعلنا على مشيئة اللَّه. وهذا برهان قاطع.
واعلم أن قوله عليه الصلاة والسلام: «قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن» إشارة إلى هذه الحجة. فإن المراد من الإصبعين داعية الفعل. وداعية الترك. والقلب واقف فيما بين هاتين الداعيتين أبدا. فإنه إن حصلت داعية الفعل حصل الفعل. وإن لم يحصل داعية الفعل بقى الفعل على العدم. ومعلوم أنه لا خروج عن طرفى النقيض؛ وإنما عبر عن هاتين الداعيتين بالإصبعين؛ لأن الشيء الّذي يكون بين إصبعى الإنسان لا يكون له في التصرف فيه صعوبة ولا عسر البتة، بل يكون في غاية اليسر. فلما كان القلب مسخرا لهاتين الداعيتين لا جرم؛ عبر عنهما بالإصبعين ولهذا السر كان صلوات اللَّه عليه يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك» بل القلب إنما سمى قلبا لتقلبه من حال إلى حال بحسب توارد الدواعى المختلفة عليه، هذا تمام الكلام في هذا الباب؛ وإنه في غاية القوة والوضوح.
المسألة الثالثة حظ العبد من هذا: أن ينقطع تعلق قلبه عن المستقبل، بل يصير مشغول القلب بأنه ما يصيبه إلا الّذي جرى في الأزل، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من عرف سر اللَّه في القدر هانت عليه المصائب» .
وقال أيضا: «المقدور كائن والهم فضل» وليس المراد من قوله والهم فضل
(1) جزء من الآية (30) من سورة الإنسان.