الْعَظِيمَ» [1] ، وكتب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: من محمد رسول اللَّه إلى هرقل عظيم الروم.
فثبت بما ذكرنا أن الشيئين إذا اشتركا في معنى وكان أحدهما زائدا على الآخر في ذلك المعنى زيادة كثيرة سمى الزائد عظيما، وإذا ثبت هذا ظهر أنه ليس للمجسمة أن يتمسكوا بهذا اللفظ في إثبات كونه تعالى جسما، إذا عرفت هذا فنقول: إنه سبحانه أعظم من كل عظيم من وجوده، فإنه دائم الوجود أزلا وأبدا، وغيره ليس كذلك، وإنه أعظم من كل عظيم في علمه، وقدرته، وقهره، وسلطانه، ونفاذ حكمه، وأعظم من كل عظيم في أن العقول لا تصل إلى كنه صمديته، والأبصار لا تحيط. بسرادقات عزته.
وإذا اعتبرت عظمته من هذه الوجوه عرفت أن كل ما سواه فهو حقير بالنسبة إليه، فالمخلوق وإن حصل عنده علوم كثيرة لكنها متناهية، فأى نسبة لها إلى العلم المتعلق بما لا نهاية له من المعلومات، وكذا القول في القدرة، والعزة الأزلية والأبدية، بل يصير كل ما سواه بالنسبة إلى كماله وعظمته كالعدم المحض، والنفى الصرف، كما قال: «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلا وَجْهَهُ» [2] .
وكل ما في الوجود من العرش، والكرسى، واللوح، والقلم، والأنوار، والظلم، والسموات، والكواكب، والماء، والهواء، والنار، وعالم الأرواح وما سيخلقه إلى قيام الساعة، وأضعاف أضعاف ذلك بالقياس إلى مقدوراته كالذرة بالقياس إلى البحر الأعظم، بل إلى العرش العظيم، بل هذه النسبة باطلة لأن الذرة وإن كانت حقيرة فهى جسم، والعرش وإن كان كبيرا فهو متناه، وللمتناهى إلى المتناهى نسبة لا محالة، أما جملة هذه المخلوقات، وجملة ما سيدخل منها في الوجود فكلها متناهية، ومقدورات اللَّه غير متناهية، ولا نسبة
(1) الآية (87) من سورة الحجر.
(2) جزء من الآية (88) من سورة القصص.