الشكر أكمل وأتم، ولا شك أنه سبحانه وتعالى هو الّذي يجازى العمل القليل بالثواب العظيم، ألا ترى أنه يعطى بالعمل في أيام معدودة نعما في الآخرة غير محدودة بل الإنسان إذا بقى على الكفر سبعين سنة ثم أسلم، وفي الحال مات فإنه سبحانه وتعالى يعطيه الجنة أبدا سرمدا، وأيضا إن العبد يأتى بطاعات مخلوطة بالرياء، والرب يعطيه الثواب الخالص عن الكدورة والجفاء، وأيضا العبد عواد إلى الذنوب، والرب عواد إلى المغفرة والرحمة، فثبت أن الزيادة في المجازاة على هذا الوجه لا يقدر عليها إلا اللَّه، فوجب أن يقال لا شكور في الحقيقة إلا اللَّه.
وأما إن كان الشكر في حق العبد مفسرا بالثناء على المشكور، فالرب سبحانه وتعالى إذا أثنى على عبده فقد شكره، وهو يقول: «الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ» [1] الآية ويقول «وَالذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذّاكِراتِ» [2] الآية.
ونعم ما قال الغزالي: إن كان الّذي أخذ فأثنى شكورا فالذى أعطى وأثنى أولى أن يكون شكورا.
ومن الناس من قال: إنه تعالى يجازى عن الشكر فسمى جزاء الشكر شكرا؛ لأنه حصل مقابلته، كما سمى جزاء السيئة سيئة، قال تعالى: «وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها» [3] .
المسألة الثانية حظ العبد منه: أن العبد إما أن يشكر الخالق، أو مخلوقا آخر، أما شكرك الخالق فكماله غير مقدور للعبد، وبيانه من وجوه:
الأول: أن شكر النعمة مشروط بمعرفة تلك النعمة، ومعرفة نعم اللَّه تعالى
(1) جزء من الآية (17) من سورة آل عمران.
(2) جزء من الآية (35) من سورة الأحزاب.
(3) جزء من الآية (40) من سورة الشورى.