فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 372

غير حاصلة، قال سبحانه: «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها» [1] فإذا كانت معرفة النعم شرطا لإمكان الشكر، وكانت هذه المعرفة غير حاصلة، كان الشكر غير ممكن.

الثاني: إن شكر النعمة مخلوق للمنعم على مذهبنا، وذلك الشكر أعظم قدرا من تلك النعم، فكيف يعقل شكر نعمته من غير نعمته، وأما عند من يقول:

إن فعل العبد ليس بمخلوق للرب، فلا شك أن صدور هذا الفعل من العبد لا يكون إلا بتوفيق الرب وإعانته، وإعطاء القدرة والعقل والآلة والتوفيق، وكل واحد من هذه الأشياء أعظم من تلك النعمة؛ فيرجع هذا أيضا إلى ما ذكرناه من أنه يقتضي شكر نعمته؛ وهو غير جائز.

الثالث: أنه يعطى على هذا الشكر نعمة زائدة؛ قال تعالى: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ» [2] فإن وقع هذا الشكر في مقابلة النعمة السابقة بقيت هذه النعمة اللاحقة بلا شكر؛ وإن وقع في مقابلة اللاحقة بقيت السابقة بلا شكر؛ وعلى التقديرين لا يفى شكر العبد بنعمة الرب.

الرابع: أنه يعطيك مع استغنائه عنك، وأنت تشكره مع افتقارك إليه؛ فكيف يقع هذا الشكر الصادر عن الحاجة والضرورة في مقابلة الإنعام الّذي هو محض التفضل والإحسان.

الخامس: قال أبو بكر الواسطى: الشكر شرك؛ فسئلت عن تفسيره؛ فقلت معناه - واللَّه أعلم - أن من اعتقد أن الإنعام من الحق والشكر من العبد يتعادلان ويتقابلان؛ مثل من يبعث إلى إنسان هدية فيهاديه الآخر بما يساويها؛ فهذا هو الشرك لأنه جعل نفسه في مقابلة الحق، وفي معارضته. وكيف لا يقول ذلك ولو أن ملكا عظيما أعطى بعض عبيده مملكه عظيمة، وأموالا جليلة. فجلس ذلك العبد في زاوية في داره، وحرك إصبعه. وزعم أنه جعل تحريك الأصبع شكرا لذلك الإنعام العظيم فإن كل عاقل يقضى عليه بالجنون.

(1) جزء من الآية (34) من سورة إبراهيم، (18) من النحل.

(2) جزء من الآية (7) من سورة إبراهيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت