إذا عرفت هذا. فنقول: تفكر في أقسام نعم اللَّه عليك، كنت معدوما محضا فجعلك موجودا، ثم أعطاك الصورة الحسنة في الظاهر، والعقل الّذي هو أشرف الصفات في الباطن، وشق سمعك وبصرك، وهداك إلى معرفته، وعرّضك للثواب العظيم، وأثنى عليك في كتابه الكريم، ثم إنك إذا حركت لسانك وقلت الحمد للَّه، فاعتقدت أن تحريك اللسان بذكر هذه الكلمات يفى بشكر هذه النعمة العظيمة، فهذا الإنسان في البعد عن العقل أعظم من الإنسان الّذي وصفناه، هذا هو الكلام في شكر الرب سبحانه.
وأما شكر مخلوق لمخلوق آخر، فهو مشروع في الظاهر، قال عليه الصلاة والسلام «من لم يشكر الناس لم يشكر اللَّه» لكن الشكر في التحقيق ليس إلا للَّه، وبيانه من وجوه.
الأول: أنه تعالى لو لم يخلق في قلبه داعية الإنعام عليك لامتنع عقلا أن ينعم عليك، لأن الفعل بدون المرجح محال. وإذا خلق تلك الداعية في قلبه امتنع عقلا أن لا ينعم عليك، وإذا كان كذلك فالعبد معزول في الحالين. والضار والنافع في الحقيقة هو اللَّه تعالى.
الثاني: إن إنعام العبد لا يتم إلا بإنعام اللَّه، فإنه تعالى لو لا أنه خلق الحنطة والشعير وإلا فكيف يمكن الأمير والوزير من الإنعام بهما، وأيضا فلو لا أنه تعالى خلق آلات الطحن والخبز وإلا لما أمكن الانتفاع بذلك الإنعام.
وأيضا فلو لا أنه تعالى أعطى صحة البدن والقوة الهاضمة في المعدة، وإلا لما أمكنه الانتفاع بذلك الإنعام، فإذا تأملت علمت أن إنعام الأمير مسبوق بوجوه لا تحصى من إنعام اللَّه، وملحوق بوجوه لا تحصى من إنعامه، وترى إنعام الأمير فيما بينهما كالقطرة في البحر، فمن بقى مغترا بتلك القطرة، غافلا عن كل البحر كان ذلك غاية الجهالة.
(م(17) - لوامع البينات)