فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 372

تعالى في خلق الأشياء، هو إتقان التدبير فيها، وحس التقدير لها، إذ ليس ذلك في كل الخليقة، ففيها ما لا يوصف بوثاقة البنية كالبقة والنملة وغيرها، إلا أن آثار التدبير فيها - وجهات الدلالات فيها على قدرة الصانع وعلمه - ليس أقل من دلالة السماوات والأرض، والجبال، والبحار - على علم الصانع وقدرته، وكذا هذا في قوله «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ» [1] ليس المراد منه الحسن الرائق في المنظر.

فإن ذلك مفقود في القرد والخنزير، وإنما المراد منه حسن التدبير في وضع كل شيء موضعه بحسب المصلحة، وهو المراد بقوله «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا» [2] .

والثاني: أن الحكمة عبارة عن معرفة أفضل المعلومات بأفضل العلوم، فالحكيم بمعنى العليم، قال الغزالي: وقد دللنا على أنه لا يعرف اللَّه إلا اللَّه، فيلزم أن يكون الحكيم الحق هو اللَّه، لأنه يعلم أصل الأشياء، وهو هو أصل العلوم وهو علمه الأزلى الدائم الّذي لا يتصور زواله، المطابق للعلوم مطابقة لا يتطرق إليه خفاء، ولا شبهة.

الثالث: الحكمة عبارة عن كونه مقدسا عن فعل ما لا ينبغي، قال تعالى:

«أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا» [3] وقال: «وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا» [4] .

قالت المعتزلة: إذا كان كل القبائح والمنكرات إيجاده وإرادته، فأين الحكمة؟

قلنا: الباطل هو التصرف في ملك الغير، فمن تصرف في ملك نفسه فأى فعل فعله كان حكمة وصوابا.

(1) جزء من الآية (7) من سورة السجدة.

(2) جزء من الآية (2) من سورة الفرقان.

(3) جزء من الآية (115) من سورة (المؤمنون) .

(4) جزء من الآية (191) من سورة آل عمران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت