واجب العدم كان اعتقاد وجوده، والإقرار بوجوده مستحق العدم، فلا جرم يسمى هذا الاعتقاد وهذا الإقرار باطلا.
إذا عرفت هذا فنقول: الشيء إما أن يكون واجبا لذاته، أو ممتنعا لذاته، أو ممكنا لذاته، أما الواجب لذاته فإنه حق محض لذاته، وأما الممتنع لذاته فهو باطل محض لذاته، والممكن لذاته فمثل هذا لا يترجح وجوده على عدمه إلا بإيجاد موجد، فلو لم يوجد ذلك الموجد لبقى على العدم، فإذا كل ممكن فهو من حيث هو باطل وهالك، فلهذا قال «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلا وَجْهَهُ» [1] ولهذا المعنى يقول العارفون: لا موجود في الحقيقة إلا اللَّه.
وأيضا فكل ممكن فهو إنما يكون موجودا بتكوين واجب الوجود، فواجب الوجود هو الّذي يجعل كل ما سواه حقا، وهذا هو المراد من قوله:
«وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ» فهو سبحانه حق لذاته، ويحق الحق بكلماته، فما أحسن مطابقة هذه الدلائل البرهانية على هذه الرموز القرآنية.
ولما ثبت أنه سبحانه حق لذاته، كان اعتقاد وجوده، واعتقاد كونه موصوفا بصفات التعالى والعظمة حق الاعتقادات، لأن المعتقد لما كان ممتنع التغير امتنع تغير ذلك الاعتقاد من كونه حقا إلى كونه باطلا، وكذا الإقرار به والإخبار عن وجوده، فهو سبحانه أحق الحقائق بأن يكون حقا، ومعرفته أحق المعارف بالحقيقة، والإقرار به أحق الأقوال بالحقية، ثم هاهنا سؤالات.
الأول: ما معنى قول الحسين بن منصور [الحلاج] : أنا الحق؟
والجواب: أما القول بالاتحاد فظاهر البطلان، لأنه إذا اتحد شيئان فإن بقيا فهما اثنان، وإن فنيا كان الثالث شيئا آخر، وإن بقى أحدهما وفنى الآخر امتنع
(1) جزء من الآية (88) من سورة القصص.