فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 372

الاتحاد، لأن الموجود لا يكون نفس المعدوم، فبقى أن يطلب لكلام هذا الرجل تأويل. تأويله من وجوه.

الأول: أنا بينا بالبرهان النير أن الموجود هو الحق سبحانه، وأن كل ما سواه فهو باطل، فهذا رحل ما سوى الحق عن نظره، وفنيت نفسه أيضا عن نظره، ولم يبق في نظره موجود غير اللَّه، فقال في ذلك الوقت أنا الحق، كأن الحق سبحانه أجرى هذه الكلمة على لسانه، حال فنائه بالكلية عن نفسه، واستغراقه في أنوار جلال اللَّه تعالى، ولهذا المعنى لما قيل له. قل أنا بالحق أبى، فإنه لو قال أنا بالحق لصار قوله أنا إشارة إلى نفسه، والرجل كان في مقام محو ما سوى اللَّه.

التأويل الثاني: أنه ثبت أنه سبحانه هو الحق، ومعرفته هى المعرفة الحقية، وكما أن الإكسير إذا وقع على النحاس قلبه ذهبا، فكذا إكسير معرفة اللَّه إذا وقع على روحه انقلب روحه من الباطلية إلى الحقية، فصار ذهبا إبريزا، فلهذا قال: أنا الحق.

التأويل الثالث: أن من غلب عليه شيء يقال إنه هو ذلك الشيء على سبيل المجاز، كما يقال فلان جود وكرم، فلما كان الرجل مستغرقا بالحق لا جرم قال:

أنا الحق.

والفرق بين هذا الجواب وبين الأول أن في الأول صار العبد فانيا بالكلية عن نفسه، غرقا في شهود الحق، فقوله. أنا الحق كلام أجراه الحق على لسانه في غلو سكره، فيكون القائل في الحقيقة: هو اللَّه، وأما في الجواب الثاني فالعبد هو الّذي قال ذلك، ومراده منه المبالغة، وبين المقامين فرق عظيم، إن كنت من أرباب الذوق.

التأويل الرابع: لا يبعد أنه لما تجلى في روحه نور جلال اللَّه، وزالت حجب البشرية، لا جرم بلغت روحه إلى أقصى منازل السعادات، فقد صار حقا يجعل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت