قولك إنسان واحد، فإنك تقول إنسان بلا يد، ولا رجل، فيصح رفع شيء منه والحق أحدى الذات.
الثالث: قال بعضهم: الواحد ما لا يكون عددا، والعدد ما كان نصف مجموع حاشيتيه، وأقل العدد اثنان، وله حاشيتان الواحد والثلاثة، ومجموعها أربعة، ونصفها اثنان، فعلمنا أن الاثنين عدد، وأما الواحد فليس له حاشية واحدة، فلم يكن عددا.
واعلم أن الجوهر الفرد بهذا التفسير واحد حقيقى.
فإن قيل: الواحد بهذا التفسير مشعر بأنه أقل القليل كما في الجوهر الفرد، وذلك يوهم كونه حقيرا، وهو في حق اللَّه محال.
قلنا: كون الفرد موصوفا بالصغر والقلة إنما كان من حيث إنه يصح فيه أن يماس ويجاور، فيعظم ويكثر، فإذا انفرد عنها قيل إنه صغير وحقير، وإذا ماسه غيره واتصل به قيل للمجموع إنه كثير، فثبت أن وصف الجوهر الفرد بالحقارة إنما كان لهذا المعنى، وهذا المعنى ممتنع الثبوت في حق اللَّه تعالى، فلا جرم امتنع وصفه بالصغر والقلة.
واعلم أن نفاة الصفات زعموا أن من أثبت الصفات للَّه تعالى، فإنه لا يمكنه أن يقول بوحدانيته، لأنا إذا حكمنا بقيام الصفات الكثيرة بذات اللَّه، كان الإله هو المجموع من الذات والصفات، فكان مركبا من الأشياء الكثيرة، ويصح فيه أيضا معنى الوضع والرفع، مثل أن يقال: قادر وليس بعالم، وزعموا أن القول بإثبات الصفات الثمانية قول بتاسع تسعة، وقد قال: «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ» [1] فلما كان القائل بالثلاثة كافرا كان القاتل بالثلاثة ثلاث مرات أولى بالكفر.
(1) جزء من الآية (73) من سورة المائدة.