من العدم إلى الوجود، فثبت أن المفهوم من الخلق لا يتقدر إلا عند وجود المخلوق، فإذا كان الخلق قديما لزم أن يكون المخلوق قديما وهو محال لأن القدم نفى الأولية والمخلوقية إثبات الأولية والجمع بينهما محال.
الثاني: أن الخلق إذا كان صفة قديمة أزلية أبدية كان من لوازم الذات، فالذات مستلزمة لصفة الخلق وصفة الخلق مستلزمة لوجود المخلوق ولازم اللازم لازم، فإذا وجود المخلوق من لوازم ذات اللَّه تعالى بغير اختياره فلا يكون اللَّه تعالى فاعلا مختارا بل موجبا بالذات وذلك صريح قول الفلاسفة وهو هدم الإسلام.
فهذا منتهى البحث في هذه المسألة وهو بحث عميق.
والجواب: أن كون الشيء مؤثرا في غيره وإن كان مفهوما مغايرا لذات الأثر وذات المؤثر ولكن لا وجود له خارج الذهن والدليل عليه أن المفهوم من كون الشيء لازما للشاء وملزوما له وحالا فيه ومحلا له مغاير لذات ذلك الشيء، ثم هذا الزائد زائد لا وجود له في الأعيان وإلا لزم التسلسل، وهذا الإلزام أيضا وارد في كون الأشياء متغايرة ومتماثلة ومختلفة ومتضادة وواجبة وممكنة وممتنعة فإن هذه الاعتبارات متغايرة في الأذهان مع أنه لا وجود لها في الأعيان، فكذا هاهنا. فهذا ما يليق بهذا الموضع، ولنا فيه إشكالات زائدة ذكرناها في الكتب المبسوطة نرجو من فضل اللَّه تعالى أن يوفقنا للبلوغ إلى الغاية فيها.
التقسيم الثالث: قال بعض المتكلمين صفات اللَّه منها واجبة ومنها ممتنعة ومنها جائزة، والصفات الواجبة منها ذاتية ومنها معنوية على ما شرحناها، وأما الممتنعة فكقولنا: يمتنع كون اللَّه جسما وجوهرا، ولقائل أن يقول: صفات اللَّه تعالى هى سلب هذه الأمور وسلب هذه الأمور عن اللَّه واجب لا ممتنع. قالوا: وأما الجائزة فهى كون اللَّه تعالى مرئيا. ولقائل أن يقول: المراد من كونه مرئيا إن كان كونه بحيث يصح أن يرى فهذه الصحة صفة واجبة الثبوت لذات اللَّه تعالى وإن كان المراد كونه مرئيا فليس المرئى لكونه مرئيا صفة، كما أنه ليس المعلوم لكونه معلوما صفة، وإلا لزم حدوث الحوادث في ذات اللَّه تعالى وهو محال.