وإن كانت عالية الدرجة لكنها غير لائقة بك من وجوه. الأول: إن كلها يدل على طلب حصة النفس. والثاني: إنه إن كان التقدير هو الوصال فأى فائدة في السؤال، وإن كان التقدير هو الفراق فأى فائدة لهذا السؤال؟! والثالث إنا عصمناك قبل وجودك عن ذل الفراق والحجاب فلما عصمناك من هذه المحنة قبل السؤال فما فائدة هذا السؤال، فعند هذا قال لا أحصى ثناء عليك، وهذا اعتراف بأن علم الخلق في حضرته جهل وقدرتهم عجز وفصاحتهم: عىّ، وكأنه قيل له مرة أخرى أنت في المقام الأول كنت مشتغلا بقدرتك على الاستعاذة وفي هذا المقام صرت مشتغلا بعجزك عن الاستعاذة، فأنت في الحالين مشغول بصفاتك
وما لم ينقطع نظر الرجل عما سوى اللَّه تعالى لا يصل إلى اللَّه تعالى، فعند هذا قال «أنت كما أثنيت على نفسك» فقوله «لا أحصى» نفى وقوله «أنت كما أثنيت على نفسك» إثبات، وهذا الأمر لا يتم إلا بالنفى والإثبات، ثم عبر عن ذلك النفى بكلمة «لا» وعن ذلك الإثبات بكلمة «إلا» فصار المجموع قوله «لا إله إلا اللَّه» فصار هذا معراجا لعامة العالمين، كما أن الأول معراج لسيد المرسلين.
ولنرجع إلى الآثار الدالة على فضيلة الذكر.
الثاني: قال الضحاك بن قيس: اذكره في الرخاء يذكرك في الشدة، فإن يونس عليه السلام لما ذكره حين وقع في البلاء صار سجنه مفتوحا وذكره مقبولا لأجل أنه كان ذاكرا قبل زمان البلاء، بدليل قوله سبحانه وتعالى «فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» [1] وأما فرعون فإنه ما ذكره إلا عند نزول البلاء وهو وقت الغرق، فلا جرم ما صار مقبولا بدليل قوله «آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ» [2] .
الثالث: قال بعض المشايخ للذكر خواص أربع. أحدها: الدوام، قال اللَّه تعالى
(1) الآيتان (143) ، (144) من سورة الصافات.
(2) الآية (91) من سورة يونس.