فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 372

أكر برضا در آتش افكنى بوستان گردد ... واگر بخشم ببهشت افكنى زندان شود

فلما أحس أن الجنة قائمة برضا المولى، وأن النار قائمة بسخط المولى أعرض عن الجنة والنار ورجع إلى صفة الملك الجبار، ثم وقع في قلبه أنه كما أن قيام الجنة برضاه وقيام النار بسخطه، فكذلك الرضا والسخط صفتان والصفة قيامها وقوامها بالموصوف، فترقى عن الصفة إلى الموصوف فقال: «أعوذ بك منك» وفيه لطائف. الأولى: معناه لو كان هاهنا غيرك لاستعذت به خوفا منك لكنه ليس في الوجود إلا أنت فلا استعذت منك إلا بك. الثانية: أن الشكاية على ثلاثة أوجه: الشكاية الحبيب إلى غير الحبيب وذلك يقتضي البراءة من الحبيب والشكاية من غير الحبيب إلى الحبيب وهى تقتضى التشريك في المحبة، أما الشكاية من الحبيب إلى الحبيب فهو عين التفريد والتوحيد، ثم هذه الشكاية ظاهرها شكاية وباطنها شكر؛ لأن معنى هذه الشكاية أنه ليس لى بد منك وليس لى أحد سواك، ولهذا قال أيوب عليه الصلاة والسلام «أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ»

ثم إن الحق سبحانه قال «إِنّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ» [1] كأنه قيل إن كان قد شكا منا إلى غيرنا صار هذا قدحا في كونه صابرا لكنه شكا منا إلينا فبقى صابرا كما كان، فإنه لم يقل يا أيها الناس إنى مسنى الضر، بل نادى ربه أنى مسنى الضر، فعرض عجزه على قدرة مولاه وذله على عزته وحاجته على غناه، والثالث: قال أعوذ بك منك، والباء حرف الوصل ومن لابتداء الحركة والانفصال، فكأنه عليه الصلاة والسلام استعاذ بالوصال عن الفراق، وصار التقدير منهما إن عذبتنى فلا تعذبني بذل الفراق.

ثم إنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر هذه الكلمات فكأنه قيل له هذه الأثنية

(1) جزء من الآية (44) من سورة ص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت