بمتابعته في قوله «أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا» [1] لا جرم أنزل اللَّه تعالى سورة الفاتحة على هذا الترتيب، وذلك لأن هذه السورة هى معراج المتعبدين فقال «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» [2] وهذا كله ثناء محض ثم قال «إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ» [3] وهذا كله ثناء ممزوج بالسؤال ثم قال:
«اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» [4] إلى آخر السورة، وهو سؤال محض، فهذا هو الإشارة إلى بداية حال إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وأما نهاية حاله فاعلم أنه قد اقتصر على الذكر وترك الطلب إلا على سبيل الرمز، فقال حين رمى في المنجنيق إلى النار حسبى من سؤالى علمه بحالى، فهذا نهاية حال الخليل عليه الصلاة والسلام. وأما الحبيب صمات اللَّه وسلامه عليه، فإنه جعل نهاية إبراهيم عليه الصلاة والسلام بداية لحالة نفسه فقال: «أعوذ بعفوك من غضبك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وفي هذه الكلمات مباحثات. أحدها: أن الألفاظ الثلاثة الأول أثنية ممزوجة بالطلب، ومتى كان الإنسان في مقام الطلب كان مشغولا بنفسه، فعزل نفسه وانقطع نظره عن نفسه فقال «لا أحصى ثناء عليك» ثم لما صار فانيا عما سوى اللَّه وصار باقيا في اللَّه قال «أنت كما أثنيت على نفسك» .
وثانيها: قال بعضهم إنه عليه الصلاة والسلام إنما ذكر هذه الكلمات ليلة المعراج بين الجنة والنار فقال لا ألتفت إلى الجنة فإنها لو كانت نافعة بنفسها لم يقع لآدم فيها زلة، ولا ألتفت إلى النار إذ لو كانت محرقة بذاتها لما صارت بردا وسلاما على إبراهيم، ولكن أترك جنتك وأتمسك بعفوك وأترك النار وأخاف عقابك. بالفارسية:
سوزنده آتش نيست خشم تو أست ... نوازنده بهشت نيست رضاى تو أست
(1) جزء من الآية (123) من سورة النحل.
(2) الآيات (2) ، (3) ، (4) من سورة الفاتحة.
(3) الآية (5) من سورة الفاتحة.
(4) الآية (6) من سورة الفاتحة.