حاصلا فيه كان لا جرم حصل الرسوخ فيه وهو المراد واللَّه أعلم بقوله: «أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» [1] .
الحجة السابعة: أن الفكر مقام الغيبة من اللَّه، لأن الفكر طلب ولو كان المطلوب حاضرا لامتنع طلبه، لأن طلب الحاضر محال وأما الذكر فإنه يتناول الحاضر والغائب لأنه قد يذكر الحاضر ومقام الحضور أشرف من مقام الغيبة.
الحجة الثامنة: الفكر فيه خطر؛ لأن حال المتفكر تشبه حال السفينة الواقفة في لجة البحر عند اضطراب الرياح والأمواج، وذلك لأن الفكر قد يفضى إلى الشبهة وقد يفضى إلى الحجة، ولهذا كان أصحاب الأفكار كثيرا ما يقعون في أنواع الأباطيل وأنواع الكفر والإلحاد، وأما الذكر فلا خطر فيه لأن الإنسان عند الذكر يكون مستقر القلب على عبودية اللَّه تعالى مستنير الروح بأنوار معرفته، فالوسواس زائل عن قلبه والشبهات غير مختلطة بمعرفته والشياطين يعبدون عنه. بدليل قوله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ» [2] ولذلك لا ترى أحدا من أصحاب الذكر وقع في بدعة أو ضلالة.
الحجة التاسعة: الفكر يقتضي توزع النظر وتكثر الاعتبارات فإنه ما لم ينظر في الحوادث الكثيرة لم يجد الدليل، وأما الذكر فإنه إلى التوحيد أقرب، لأن اللسان مشغول بالواحد والقلب متوجه إلى الواحد، ولا شك أن أجل درجات العبودية هو التوحيد.
الحجة العاشرة قوله تعالى: «وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» [3]
فإن قيل المراد أن ذكر اللَّه للعبد أكبر. قلنا: هب أنه كذلك ولكن ذكر العبد ربه يستلزم ذكر
(1) جزء من الآية (28) من سورة الرعد.
(2) الآية (201) من سورة الأعراف.
(3) جزء من الآية (45) من سورة العنكبوت.