الحجة الثالثة: أن السيّار في آخر سيره يستغنى عن الفكر بل العلوم تتجلى في قلبه من عالم أنوار الربوبية كما قال في خضر موسى عليهما الصلاة والسلام «وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْمًا» [1] وقال في حق محمد صلى اللَّه عليه وسلم «وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ» [2] والسيار البتة لا يستغنى عن الذكر قال تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام «وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي» [3] وقال لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» [4] وقال «وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ» [5] وقال «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ» [6] .
الحجة الرابعة: ذكر اللَّه تعالى أن آخر مراتب أهل الجنة في تزايد درجاتهم ليس إلا الذكر فقال «وَآخِرُ دَعْاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [7] وهذا يدل على أن الذكر أفضل الأعمال وإلا لم يقع الختم عليه.
الحجة الخامسة: الفكر مقام يشترك فيه الصديق والزنديق والموفق والمنافق والغائب والحاضر. أما الذكر فمقام الأولياء العارفين والمقربين فوجب أن يكون الذكر أفضل من الفكر.
الحجة السادسة: الفكر لا يكون إلا في المخلوقات، لأن الفكر انتقال من شيء إلى شيء وذلك يستدعى لا محالة منتقلا عنه ومنتقلا إليه، وذلك في الواحد الحق محال. أما الذكر فلا يحصل كماله إلا في الواحد الحق لأن الذكر لا يكمل إلا إذا كان الذكر واحدا لأنه إذا كثر المذكور كان الاشتغال بذكر كل واحد مانعا من الاشتغال بذكر الآخر. ومن وجه آخر: وهو أن الفكر لما اقتضى الانتقال من شيء إلى شيء لم يحصل فيه الرسوخ البتة، وأما الذكر فلما كان الثبات
(1) الآية (65) من سورة الكهف.
(2) جزء من الآية (113) من سورة النساء.
(3) جزء من الآية (14) من سورة طه.
(4) الآية (2) من سورة الأعلى.
(5) الآية (3) من سورة المدثر.
(6) جزء من الآية (98) من سورة الحجر.
(7) جزء من الآية (10) من سورة يونس.