جرم إذا ذكر العبد ربه في مثل ذلك الوقت بأى اسم كان، فقد ذكره بأعظم الأسماء، ومتى ذكر العبد ربه بأعظم الأسماء لزم في كرمه ورحمته وجوده أن يخص ذلك العبد بأعظم أنواع الجود والكرم، وما ذاك إلا بأن يخلصه من دركات العذاب ويوصله إلى درجات الثواب، فلهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام «من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه دخل الجنة» .
وقال قائلون: الاسم الأعظم للَّه تعالى اسم معين، والقائلون بهذا القول فريقان.
منهم من قال إنه معلوم للخلق، ومنهم من قال إنه غير معلوم للخلق. أما القائلون بأنه معلوم للخلق فقد اختلفوا فيه على أقوال. القول الأول أن الاسم الأعظم للَّه تعالى قولنا (هو) والقائلون بهذا القول إذا أرادوا المبالغة في الدعاء قالوا يا هو، يا من لا هو إلا هو، يا من به هوية كل هو، واحتجوا على هذا القول بوجوه.
الحجة الأولى أن (هو) كناية عن فرد موجود على سبيل الغيبة والفردانية، والوجود والغيبة عن كل الممكنات من الصفات الواجبة للحق سبحانه وتعالى الدالة على غاية العز والعلو والكبرياء، أما الوجود فله بذاته ومن ذاته ولغيره من غيره، وأما الفردانية فالفرد المطلق من كل الوجوه ليس إلا هو، وأما الغيبة عن كل الممكنات فلأنه يستحيل أن يكون حالا في غيره أو محلا لغيره أو متصلا بغيره أو منفصلا عن غيره فإذا لا مناسبة بينه وبين شيء من الممكنات أصلا، فثبت أن الصفات التى يدل عليها قولنا (هو) لا يليق إلا به سبحانه وتعالى، فكانت هذه الكلمة أخص أسمائه سبحانه وتعالى.
الحجة الثانية: أن افتقار الخلق إلى الخالق مقرر في العقول وكأنه بلغ في الظهور إلى غاية درجة العلوم الضرورية، ولهذا قال تعالى «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» [1] فقولنا (هو) إشارة إلى ذلك الوجود الّذي شهدت فطر الخلائق وعقولهم بافتقار كل الممكنات إليه: فكلمة (هو) دالة على أنه
(1) جزء من الآية (25) من سورة لقمان، (38) من سورة الزمر.