الوجه الثالث: ان هذا التمثيل يمكن في غير الواجب بنفسه أما هو سبحانه وتعالى فلا يتصور أن تقف ذاته على غيره، ولا فعله على غيره، فإن القوابل هي أيضًا من فعله، فالكلام في فعله للمقبول لها، كالكلام في فعله للقابل، فكل ما سواه فقير إليه مفعول له، وهو مستغن عن كل ما سواه من كل وجه، بخلاف الفاعل المخلوق الذي يتوقف فعله على قابل، فإنه فعل مفتقر إلى شيء منفصل عنه لكن يمكن ان يجاب عنه بان يقال: إذا كان الموجب لغيره المتوقف إيجابه على غيره لا يمنع أن يكون موجبًا بنفسه، كما قالوا في العقل الفعال، فإن يكون توقف إيجابه على غيره لا يمنع ان يكون واجبًا بنفسه أولى وأحرى، فإن الموجب لغيره واجب وزيادة إذ لا يوجد إلا ما هو موجود ولا يوجب إلا ما هو واجب.
والعقل الفعال يقولون: هو واجب بغيره، وهو موجب بغيره، لا واجب بنفسه.
ومقصوده أن الوجوب والإيجاب بالذات لا يمنع توقف ذلك على غيره، وإنما يمنع كونه مفعولًا للغير.
وتلخيص الكلام: أنه إذا قيل: إن الوجود زائد على الماهية، كانت الماهية محلا للوجود الواجب فيكون الواجب لنفسه مفتقرًا إلى قابل لا إلى فاعل.
فنقول: الواجب هو الذي لا يكون مفتقرًا إلى فاعل، ليس هو الذي لا يكون مفتقرًا إلى قابل، فإن الذي قام عليه قطع التسلسل أن الواجب لا فاعل له ولا علة.