ولهذا كان الإنسان القابل للعلم أكمل من الجماد، وإن كان في علمه من التغير والحركة ما ليس في الجماد.
وأيضًا فمن يكون حيًا حساسًا يقدر على الحركة، أكمل ممن لا يكون كذلك.
وكلما كانت صفات الكمال أكمل، كان الموصوف أكمل، فإن الإنسان أكمل من الحيوان البهيم، والحيوان أكمل من الجماد، وإن قدر أن علمه وفعله مستلزم للحركة، بل للحركة المكانية، فهو أكمل ممن لا علم له ولا يتحرك بإرادته، فالمتحرك بإرادته أكمل ممن لا يمكنه الحركة البتة.
هذا هو المعقول في الموجودات.
وكلما تدبر الإنسان، ونظر في الأدلة المعقولة، تبين له أن ما ذكره عن أرسطو من الحجج لنفي العلم من أفسد الحجج، بل هي الغاية في الفساد، وهي مبنية على مقدمتين.
إحداهما: إن العلم يستلزم أمورًا.
والثانية: أنه يجب نفي تلك الأمور لكونها نقصًا.
وهذا باطل من وجوه:
منها: المعارضة بما تقدم.
ومنها: أن نفي العلم أعظم نقصًا من تلك اللوازم، فلو قدر أنها تتضمن ما يسمونه نقصًا، لكان ما يتضمنه نفي العلم من النقص أعظم، فلا يجوز التزام أعظم النقصين حذرًا من أدناهما، إذا قدر أن كلاهما قد جعله هؤلاء نقصًا.