وعلى هذا فللناس في أن ما لا يسبق جنس الحوادث هل هو حادث؟ أقوال:
أحدها: أنه يجب أن يكون حادثًا مطلقًا.
والثاني: لا يجب أن يكون حادثًا.
والثالث: أنه كان محتاجًا إلى غيره وجب أن يكون حادثًا، وإن كان غنيًا عن غيره لم يجب أن يكون حادثًا.
وأيضًا فإن ما لم يسبق حوادث نفسه لم يجب أن يكون حادثًا، وإن لم يسبق حوادث غيره كان حادثًا.
وقد قرر هذا في موضع آخر.
ومن فهم ما ذكرناه، ونظر فيما صنفه الناس في هذا الباب من الاستدلال على حدوث الأجسام بأنها لا تخلو من الحوادث، وما لم يسبق الحوادث فهو حادث - تبين له تقصير كثير منهم في استيفاء مقدمات الدليل.
ثم الذين استوفوا مقدماته يبقى الكلام معهم في صحة تلك المقدمة، وقد عرف منازعه أكثر أهل الملل، وأكثر الفلاسفة، أو كثير من الطائفتين فيها وإبطالهم لها.
ولما كان هؤلاء وأمثالهم يدعون أن معرفة الله لا تحصل إلا بالمعقول، ويفسرون المعقول بمثل هذا الدليل الذي هو باطل، وغايته إذا قيل: إنه صحيح أنه لا يصل به إلى المطلوب إلى قليل من الناس بعد كلفة شديدة، ومخاطرة عظيمة، ويريدون أن يردوا بمثل هذا ما دل عليه الكتاب