فإن قلتم: إن المحب لغيره ناقص يحتاج إلى الغير.
كان جوابكم من أربعة أوجه:
أحدها: أن يقال: لم لا يجوز أن يكون محبًا لنفسه، ثم محبته لغيره تبعًا؟ كما تقولون في حب الفلك وإرادته بالقصد الأول والقصد الثاني.
الثاني: أن يقال: فلم لا يجوز أن يكون محبًا لغيره، الذي هو مفعول مصنوع له؟ وإذا كان مريدًا كما هو مفعول مصنوع له، وهو ممكن، لم يكن في ذلك إرادته ومحبته إلا لمفعولاته ومبتدعاته، التي هي فقيرة إليه من كل وجه، فليس في هذا افتقار إلى شيء هو مستغن عنه بوجه من الوجوه.
ومعلوم أن هذا خير من قولكم: إن الفلك لا يحتاج إليه إلا من جهة كونه محبوبًا، فإن ذلك في إثبات فقر الفلك إليه من كل وجه، وهذا أبلغ في الكمال.
الثالث: أن يقال: ولو فرض محبًا لغيره مريدًا لغيره، وذلك الغير أيضًا محتاج إليه، لكونه لا يقوم إلا به، كان غاية ما في هذا أن يكون قوام كل منهما بالآخر ومعلوم أن هذا، وإن كان المسلمون ينزهون الله عنه، فهو خير من قولكم المتضمن أن الفلك ليس له مبدع فاعل، مع كونه محتاجًا إلى محبوبه، لأن هذا يتضمن شيئين، كل منهما فاعل له، وأحدهما محب للآخر، أقرب إلى العدل والإمكان، إن كان ذلك ممكنًا، وإلا فهو أقرب إلى الامتناع، لأن كلا القولين يتضمن إثبات شيئين لا فاعل لهما، وأحدهما يتضمن أن المحب أحدهما والآخر محبوب، والقول الثاني يتضمن أن كلاهما محب محبوب.