الموجودة، ولا فاعلًا لها، إذا كان علمه بها هو إبداعه لها، فإن العلم بالجزئيات، على هذا الوجه الكلي، لا يتضمن العلم بشيء من المعينات، ولا يكفي هذا العلم في وجودها، فضلًا عن أن يكون هو إيجادها.
فإنا إذا علمنا أن بني آدم لا بد أن تحصل لهم شهوة الأكل فيأكلون، وإذا أكلوا فلا بد أن تحصل لهم فضلة فيتغوطون، ولا بد أن تحصل لهم شهوة النكاح فيجامعون، ولا بد أن يحصل إنزال وحبل، فتحبل النساء ويلدن، ولا بد أن يموتوا -كان هذا علمًا كليًا يتضمن أنه لا بد من وجود أكل وتخل، ونكاح وإنزال، وحبل وولادة وموت، بحيث لو قيل: إن في الآدميين من لا يموت، أو من لا يأكل ويشرب وينام ونحو ذلك- كان ذلك العلم الكلي مناقضًا لهذا القول.
ولو قيل: إنه لم يبق من ينكح ويحبل، ويلد ويموت، كان ذلك العلم الكلي دافعًا لهذا القول، كما إذا علمنا أن نبيًا لا يخبر إلا بالصدق، وعلمنا أنه أخبر بأخبار لا نعرف أعيانها -علمنا أنها كلها صادقة، ولم يكن في مجرد هذا العلم الكلي علم شيء منها.
وإذا علمنا أن كل دليل شرعي دل على الإيجاب أو التحريم، وجب إثبات موجبه من الإيجاب أو التحريم، كان هذا علمًا كليًا، ولم يكن فيه علم بشيء من أعيان الأدلة الشرعية، ولا بالأحكام المعينة الشرعية.