ما أن أُعلن عن بدء اجتماعات الدوحة في 4/ 11/2012 حتى فاهت الولايات المتحدة على لسان وزيرة الخارجية في كرواتيا (31/ 10/2012) بما لا تهوى الأنفس، فقد: «حان الوقت لتجاوز المجلس الوطني السوري وضم من يقفون في خطوط المواجهة» . هكذا دون أي مقدمات في عرف المعارضة! ولا ريب أن أغرب ما في تصريحات كلينتون أنها تحدثت بما يدغدغ مشاعر العسكريين والثوار وكل من ناصب المجلس الوطني العداء أو البغض. العجيب أن الولايات المتحدة تشن حربها في العادة على «المتطرفين» و «الإرهابيين» لكنها هذه المرة شنتها على عشاقها ومريدها من أهل الاعتدال والوسطية والبراغماتية!!! ولو كانت المعارضة «متطرفة» بما يكفي لربما نجت من الهجوم الأمريكي!!! إذ والكلام لكلينتون: «لا يمكن أن تكون هذه معارضة يمثلها أشخاص يتمتعون بخصال جيدة كثيرة لكنهم في كثير من الأمثلة لم يذهبوا إلى سوريا منذ 20 أو 30 أو 40 عاما» ، أما الذي يمكن فهو: «أن يكون هناك تمثيل لمن يقفون في خطوط المواجهة يقاتلون ويموتون اليوم في سبيل حريتهم» .
ونقلت وسائل الإعلام المزيد من تصريحات كلينتون كقولها: «أن الولايات المتحدة قد طرحت فكرة تشكيل تنظيم معارضة موحدة تحل بدلا من المجلس الوطني السوري الذي تعتبره واشنطن تنظيما غير فعال بسبب عدم نجاحه في توسيع قيادته، وأن: «واشنطن قد أعدت مرشحين سوريين للانضمام إلى أي قيادة جديدة للمعارضة يمكن أن تنبثق من مؤتمر مجموعة أصدقاء سوريا في الدوحة» . أما المتحدث باسم الخارجية الأميركية باتريك فنتريل، فقد طالب في مؤتمره الصحفي بواشنطن: «المعارضة أن تكون أكثر تنظيما والتزاما بإستراتيجية» ، لافتا الانتباه إلى أن: «واشنطن لم تر ذلك في المجلس الوطني السوري ولذلك تساعد في تحديد بعض الأشخاص» .. إذ: «ثمة حاجة ماسة لتشكيل تركيبة تمثل قيادة المعارضة» ، أما لماذا «حاجة ماسة فلأن: «أمامها عمل سياسي وإداري للتواصل مع المجتمع الدولي والمساعدة في تنسيق التواصل والمساعدة» .
هكذا بطشت الولايات المتحدة في المعارضة التي تحالفت معها دون سابق إنذار. فما كان من المعارضة، في اليوم التالي (2/ 11/2012) إلا أن صبت جام غضبها على أمريكا. وردا على تصريحات كلينتون أصدر المجلس الوطني بيانا قال فيه: «إن الحكومة الأميركية تريد بقاء بعض عناصر حزب البعث في السلطة بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد» !!! وكأن «البعث» الذي ليس له في العير ولا في النفير بات المسؤول عما حل بسوريا وأهلها من خراب ودمار وسفك للدماء. طبعا المجلس يقصد الطائفة النصيرية، لكنه لا يجرؤ على البوح بحقيقة المسؤولية لأنه محكوم بالسقف الدولي وأيديولوجياته وعقائده ومفرداته الدبلوماسية والسياسية. ثم تبع بيان المجلس غضب الكثير من أعضائه تجاه ما بدا لهم: «وصاية مباشرة وإملاءات لم تعد مقبولة للشعب السوري» . ومن لندن، علق محيي الدين اللاذقاني، عضو المجلس، بالقول: «لا يحق لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون انتقاد المجلس في وقت لم تحدد فيه إدارة الرئيس باراك أوباما أي مسار لسوريا، مشددا على أن كل ما تحاول أميركا أن تفعله هو إلقاء اللوم على المجلس» .