فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم [1] : أجدت لا يفضض الله فاك، قال: فلقد رأيته وأتت عليه مائة سنة [2] أو نحوها وما انفضّ من فيه سنّ.
وعن [3] أبي عبيدة أن النابغة الجعدي كان ممّن فكر في الجاهلية [4] (وأنكر الخمر والسّكر، وما تفعل بالعقل، وهجر الأزلام والأوثان [5] ، وقال في الجاهلية) كلمته التي أولها [6] : (تام المنسرح)
الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما
وكان يذكر دين إبراهيم والحنيفيّة [7] ، ويصوم ويستغفر، ويتوقع [8] أشياء لعواقبها.
ووفد على النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فأسلم وحسن إسلامه، وأنشده قوله [9] : (الطويل)
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ... ويتلو كتابا كالمجرّة نيّرا
وجاهدت حتى ما أحسّ ومن معي ... سهيلا إذا ما لاح ثمّت غوّرا
فقال له النبي صلّى الله عليه وسلم: «لا يفضض الله فاك» فكان أحسن الناس ثغرا، وكان كلّما سقطت له سنّ، نبتت له أخرى. وشهد مع عليّ رضي الله عنه صفين.
وقال [10] عمر بن شبّة، كان النابغة الجعديّ شاعرا مقدّما، إلا أنه كان إذا
(1) الخبر في العقد الفريد 2/ 52.
(2) د: ونحوها.
(3) من الأغاني 5/ 98إلى قوله: «وشهد مع علي صفين» .
(4) ما بين القوسين ساقط من ج.
(5) ذكر القالي في أماليه 1/ 205204بعض الشعراء الذين حرّموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية.
الأزلام جمع زلم وزلم وهو القدح: السهم، والأزلام كانت لقريش في الجاهلية مكتوب عليها أمر ونهي وافعل ولا تفعل، قد زلّمت وسويّت ووضعت في الكعبة فإذا أراد رجل سفرا أو نكاحا أتى السادن فقال: أخرج لنا زلما، فيخرجه وينظر إليه فإذا خرج قدح الأمر مضى وإن خرج قدح النهي قعد عما أراده. (اللسان: زلم)
(6) القصيدة في الاستعبار والوعظ وهي في شعره 136132، ومنها بيتان في الوافي بالوفيات ج 26ميكرو فيلم
(7) من كان علي دين إبراهيم فهو حنيف عند العرب وكان في الجاهلية يقال لمن اختتن وحجّ البيت حنيف لأنّ العرب لم تتمسّك في الجاهلية بشيء من دين إبراهيم غير الختان وحج البيت (اللسان: حنف) .
(8) الأغاني 5/ 9: ويتوقى، ولعل هذا هو الصحيح.
(9) البيتان من قصيدته في الاستعبار بحوادث الدهر التي خرجناها في الصفحة 32الحاشية 8.
المجرة هي البياض المعترض في السماء، وسهيل كوكب يمان. (اللسان: جرر، سهل) .
(10) من الأغاني 5/ 10بتصرف إلى قوله «فغلبوه» والخبر في الاستيعاب 4/ 1518.