لا يا ابن اللّخناء [1] ولا كرامة. فرجع إلى الوليد فأخبره، فكذّبه، وأمر به فوجئت [2] عنقه. ثم لبس الوليد نعليه، ودخل على أم البنين، وهي جالسة في ذلك البيت تمتشط [3] ، وقد كان القادم وصف له الصندوق الذي أدخلته فيه، فجلس عليه، ثم قال لها: يا أم البنين ما أحبّ إليك هذا البيت من بين بيوتك! فلم تختارينه؟ فقالت: اخترته لأنه يجمع حوائجي كلّها، فأتناولها منه من قرب. فقال لها: هبي [4] (لي) صندوقا من هذه الصناديق، فقالت: كلّها لك يا أمير المؤمنين، فقال لها: إنما أريد واحدا منها، فقالت له خذ: أيّها شئت، قال: هذا الذي جلست عليه، قالت: خذ غيره فإنّ لي فيه أشياء أحتاجها، قال: ما أريد غيره، قالت: خذه يا أمير المؤمنين. فأمر به فحمل حتى انتهى به إلى مجلسه فوضعه فيه. ثم أمر بحفر بئر في المجلس عميقة، فحفرت إلى الماء. ثم دعا بالصندوق فقال: إنه بلغنا شيء إذا كان حقّا، فقد كفّنّاك ودفنّاك وقطعنا أثرك إلى آخر الدهر، وإن كان باطلا فإنا دفنّا الخشب، وما أهون ذلك! ثم قذف به في البئر وهيل عليه التراب وسوّيت الأرض وردّ عليها البساط الذي كان عليها وجلس الوليد عليه. ثم ما رئي [5] بعد ذلك اليوم لوضاح أثر في الدنيا إلى هذا اليوم. قال: وما رأت أمّ البنين لذلك أثرا في وجه الوليد حتى فرّق الموت بينهما.
وكان [6] وضاح يهوى امرأة من أهل اليمن، من الفرس، تسمى روضة، فذهبت به كلّ مذهب. فخطبها، فمنعها قومها من تزويجه إياها، وزوجوها غيره، فمكث مدة طويلة، ثم أتاه رجل من بلدها، فأسرّ إليه شيئا فبكى. فقيل له ما
(1) أمة لخناء: منتنة (الأساس: لخن) .
(2) وجئت عنقه: ضربت (اللسان: وجأ) .
(3) ج: تمشط.
(4) ما بين القوس ين ساقط من د.
(5) ح د: ريء، وهو غلط.
(6) من الأغاني 6/ 213211بتصرف إلى آخر الأبيات الأربعة.