ومن شرف الفرزدق وعلوّ همّته، ما روي عنه [1] ، من أنّه قيّد نفسه والتزم أن لا يفكّ القيد من رجليه حتى يحفظ القرآن. وقد اقتدى [2] به في ذلك الأديب أبو بكر محمد بن أحمد الأنصاري الأندلسي المعروف بالأبيض [3] ، حيث سئل عن لغة بمحضر من خجل منه، فلم يحضره جواب، فقيّد نفسه في قيد حديد، وحلف أن لا ينزعه حتى يحفظ الغريب المصنّف في اللغة [4] ، فاتّفق أن دخلت عليه أمّه وهو في تلك الحال، فارتاعت من ذلك، فقال [5] : (تام الكامل)
ريعت عجوزي أن رأتني لابسا ... حلق الحديد ومثل ذاك يروع
قالت: جننت؟ فقلت: بل هي همّة ... هي عنصر العلياء والينبوع
سنّ الفرزدق سنّة فتتبعتها ... إني لما سنّ الكرام تبوع
ومن جوامع كلم الفرزدق رحمه الله [6] : (الطويل)
قوارص تأتيتي ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم
قال يونس بن حبيب [7] : وليس لأحد مثل قوله [8] :
وإنّا وسعدا كالفصيل وأمّه ... إذا وطئت لم يضره اعتمادها
(1) الخبر في الأغاني 21/ 283وأمالي المرتضى 1/ 63.
(2) الخبر في نفح الطيب 3/ 489.
(3) أبو بكر محمد بن أحمد الأنصاري المشهور بالأبيض شاعر وشاح حسن التصرف هجاء. قتله الزبير أمير قرطبة لما هجاه (530هـ) أنظر الخريدة 6/ 580 (شعراء المغرب والأندلس) وزاد المسافر 108 (وهو فيه أحمد بن محمد) والمطرب 76والمغرب في حلى المغرب 2/ 127ونفح الطيب 3/ 389.
(4) الغريب المصنف في اللغة لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي (222هـ) الوفيات 4/ 6360.
وقد حققه د. هادى حسن حمودي أستاذ فقه اللغة بجامعة وهران بالجزائر. أنظر نشرة أخبار التراث صفحة 16العدد 13ماي يونيه 1984.
(5) الأبيات في نفح الطيب 3/ 489.
(6) ب. طبقات ابن سلام: قوارص. أج د ش: قوارض. ج: وتحتقرونها.
والبيت من مقطوعة في بيتين قالها الفرزدق لما هرب من زياد بن أبيه ونزل بالرّوحاء على بكر بن وائل، ثم انتقل عنهم، وأولها:
تصرّم عنّي ودّ بكر بن وائل ... وما كاد عنّي ودّهم يتصرّمّ
وهي في شرح ديوانه 756وطبقات ابن سلام 1/ 358357والبيت في الأغاني 21/ 306. ويقصد بالقوارص أبيات الهجاء المؤذبة.
(7) هو إمام نحاة البصرة، علامة بالأدب أخذ عنه سيبويه (182هـ) طبقات النحويين 5351والفهرست 63 (دار المعرفة) ونزهة الألباء 5149ومعجم الأدباء 20/ 6764والوفيات 7/ 249244والمزهر 2/ 399والأعلام 8/ 261.
(8) أد ش: لم يضر.
والبيت في شرح ديوانه 216والبيان 2/ 350والإعجاز 148.