لابدّ من الجواب أو تغدر، قال: أمّا إذ أبيت، فزواني رام هرمز أرقّ أبشارا، وزواني أرّجان أحسن أبدانا، قال: فأيّ الرجلين أشعر، أجرير أم الفرزدق؟ قال: فعليك وعليهما لعنة الله، أيهما الذي يقول [1] : (تام الكامل)
وطوى الطّراد مع القياد بطونها ... طيّ التّجار بحضرموت برودا
قال: جرير، قال: فهو أشعرهما. قال: وكان الناس قد تجاذبوا في أمر جرير والفرزدق حتى تواثبوا، وصاروا إلى المهلّب [2] محكّمين له في ذلك. فقال: أردتم أن أحكم بين هذين الكلبين المتهارشين فيتمغضاني. ما كنت لأحكم بينهما ولكنّي أدلّكم على من يحكم بينهما ثم يهون عليه سبابهما. عليكم بالشّراة، فسلوهم إذا تواقفتم. فلما تواقفوا سأل أبو حزابة عبيدة بن هلال عن ذلك، فأجابه بهذا الجواب.
وروي [3] أن عبد الملك بن مروان صنع طعاما وأكثر وأطاب، ودعا إليه الناس، فأكلوا. فقال بعضهم: ما أطيب هذا الطعام! وما أكثره، فقال أعرابيّ من ناحية [4] (القوم) : أمّا أكثر، فنعم، وأمّا أطيب، فقد والله أكلت أطيب منه، فضحكوا [5] منه، وسمعه عبد الملك، فأدناه منه، وقال له: ما أنت بمحقّ حتى تبيّن لي صدقك، فأخبره بحكاية عن طعام أكله، فقال له عبد الملك: لقد أكلت طعاما طيّبا، فممّن أنت، قال: أنا رجل جانبتني عنعنة تميم وأسد وكشكشة ربيعة [6]
(1) من قصيدة لجرير في الفخر مطلعها:
أهوى أراك برامتين وقودا ... أم بالجنينة من مدافع أودا
وهي في ديوانه 338337والبيت في الأغاني 8/ 8.
طراد الأقران ومطاردتهم هو أن يحمل بعضهم على بعض في الحرب وغيرها (اللسان: طرد) ويقصد أن طراد الأعداء في القتال وقيادة الخيل إلى الغزو يضمّرها، وهذا هو المستحبّ في الخيل.
(2) المهلب بن أبي صفرة الأزدي قائد شجاع حمى البصرة من الخوارج واشتهر بقتاله لهم، كان واليا على خراسان (83هـ)
(3) من الأغاني 8/ 4240بتصرف إلى آخر الخبر.
(4) ما بين القوسين ساقط من ج د.
(5) د: فضجوا
(6) أب ج د ش: عبعبة تميم وأسد، وكسكسة ربيعة. (عبعبة) ، (كسكسة) غلط. والتصحيح من الأغاني 8/ 41واللسان (عنن، كشش) .
وعنعنة تميم: إبدالهم العين من الهمزة كقولهم: عن يريدون (أن) ، والكشكشة لغة ربيعة، وفي الصّحاح لبني أسد،
يجعلون الشين مكان الكاف، وذلك في المؤنث خاصة، فيقولون: عليش، ومنش وبش.
أما الكسكسة فهي لغة هوازن لا ربيعة، وهي أن يزيدوا بعد كاف المؤنث سينا فيقولون: أعطيتكس ومنكس، وهذا في الوقف دون الوصل (اللسان: عنن، كسس، كشش) .