فوقعت من قلبه، فخرق إداوته [1] ، ودنا منها يستطعم كلامها، فقال: إني رجل على ظهر سفر، وقد تخرّقت إداوتي، فأصلحيها، فقالت: والله إنّي ما أحسن العمل وإنّي لخرقاء [2] ، فشبّب بها ذو الرّمّة، وسمّاها خرقاء.
قال المفضّل الضبي [3] : كنت أنزل على بعض الأعراب إذا حججت، فقال [4] (لي) يوما: هل لك أن أريك خرقاء صاحبة ذي الرمة؟ فقلت: إن فعلت أنعمت وتفضّلت، قال: فتوجهنا، فعدل بي عن الطريق بقدر ميل، ثم أتينا أبيات شعر، فاستفتح بيتا، ففتح له، وخرجت علينا امرأة طويلة حسّانة [5] بها قوّة، فسلّمنا وجلسنا نتحادث ساعة، ثم قالت لي: هل حججت قطّ؟ قلت: غير مرّة، قالت: فما منعك من زيارتي؟ أما علمت أنّي منسك من مناسك الحجّ؟ قلت: وكيف ذلك؟
قالت: أما سمعت قول عمّك ذي الرّمّة [6] : (تام الوافر)
تمام الحجّ أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللّثام
وكان [7] ذو الرمة كثير المديح لبلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وكان بلال أمير البصرة وقاضيها، ففيه يقول يخاطب ناقته صيدح [8] : (تام الوافر)
سمعت: الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح: انتجعي بلالا
(1) الإداوة جمع أداوى إناء صغير من جلد يتّخذ للماء الخرقاء مؤنث أخرق من الخرق بالضم وبالتحريك ضدّ الرّفق وأن لا يحسن الرجل العمل والتّصرّف في الأمور (اللسان: إدا، خرق) .
(2) الإداوة جمع أداوى إناء صغير من جلد يتّخذ للماء الخرقاء مؤنث أخرق من الخرق بالضم وبالتحريك ضدّ الرّفق وأن لا يحسن الرجل العمل والتّصرّف في الأمور (اللسان: إدا، خرق) .
(3) من الوفيات 4/ 1413، والخبر في الشعر والشعراء 1/ 534والأغاني 18/ 3837.
(4) من بين القوسين ساقط من د.
(5) الحسّانة أشدّ حسنا من الحسناء الوفيات 4/ 14واللسان: (حسن) .
(6) بيت مفرد في ديوانه 3/ 1913وطبقات ابن سلام 2/ 562والشعر والشعراء 1/ 535والأغاني 18/ 37والوفيات 4/ 14.
(7) من الكامل 2/ 52والوفيات 4/ 14، والخبر في الأغاني 18/ 31.
(8) من قصيدة مطلعها:
أراح فريق جيرتك الجمالا ... كأنّهم يريدون احتمالا
وهي في ديوانه 3/ 15581506، والبيتان في الكامل 2/ 53والأول في حياة الحيوان 1/ 41، 2/ 131.
وجاء في الكامل 2/ 53: «قوله: سمعت الناس ينتجعون، حكاية، والمعنى إذا حقّق إنما هو سمعت هذه اللفظة، أي قائلا يقول الناس ينتجعون غيثا وفيه 2/ 54 «قوله: إذا النّكباء ناوحت الشّمالا، فإن الرياح أربع ونكباواتها أربع، وهي الريح التي تأتي ما بين ريحين، فتكون بين الشمال والصّبا أو الشمال والدّبور، أو الجنوب والدّبور أو الجنوب والصّبا.
فإذا كانت النّكباء تناوح الشّمال فهي آية الشّتاء، ومعنى تناوح تقابل».