ويروى [1] أن ليلى الأخيلية أقبلت من سفر ومعها زوجها، فمرّت بقبر توبة وهي في هودجها، فقالت: والله لا أبرح حتّى أسلّم على توبة، فمنعها زوجها، وأبت هي إلا أن تلمّ به، فتركها، فصعدت ربوة عليها قبر توبة، فقالت: السّلام عليك يا توبة، ثم حوّلت وجهها إلى القوم، فقالت: ما عرفت منه كذبة قطّ قبل هذه. قالوا: وكيف ذلك؟ قالت: أليس القائل [2] : (الطويل)
ولو أنّ ليلى الأخيلية سلّمت ... عليّ ودوني تربة وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
وأغبط من ليلى بما لا أناله ... ألا كلّ ما قرّت به العين صالح
فما باله لم يسلّم عليّ كما قال!؟ وكانت إلى جانب القبر بومة كامنة، فلما رأت الهودج واضطرابه، فزعت وطارت في وجه الجمل، فنفر ورمى بليلى على رأسها فماتت من وقتها [3] ، فدفنت إلى جانبه. يرحمنا الله وإياهما [4] .
ومن شعر توبة أيضا فيما يحسبه المبرّد [5] ، قال: وقد قال الشّعراء قبله وبعده، فلم يبلغوا هذا المقدار [6] : (تام الوافر)
كأنّ القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامريّة أو يراح
قطاة عزّها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح
وبالله تعالى التوفيق.
(1) من الأغاني 11/ 244بتصرف إلى آخر الخبر، وهو في الوافي بالوفيات 10/ 438437والفوات 1/ 260.
(2) من قصيدة غزلية مطلعها:
ألا هل فؤادي عن صبا اليوم صافح ... وهل ما وأت ليلى به لك ناجح
وهي في ديوانه 5047، والأبيات في الأغاني 11/ 244والأمالي 1/ 87، 197والوافي بالوفيات 10/ 437 والفوات 1/ 260والبيتان الأولان في الشعر والشعراء 1/ 453ومروج الذهب 2/ 333، 3/ 141والمستجاد 248 وحياة الحيوان 1/ 266، 2/ 6.
وأت: وعدت. «زقا الدّيك والطائر والصّدى والهامة ونحوها يزقو ويزقي زقوا وزقاء: صاح. والصدّى = جسد الإنسان بعد موته، وكانت العرب تقول إنّ عظام الموتى تصير هامة فتطير وكانوا يسمون ذلك الطائر الذي يخرج من هامة الميت إذا بلي الصّدى (اللسان: زقا، صدى، وأى) .
(3) أنظر المستجاد 248ففيه ما يخالف هذا.
(4) ج د: رحمنا.
(5) الكامل 3/ 37.
(6) أول مقطوعة في أربعة أبيات في الغزل منسوبة لتوبة وهي في ديوانه 97والبيتان في الكامل 3/ 3837وحياة الحيوان 2/ 445.
ونسب البيتان لمجنون ليلى من مقطوعة في تسعة أبيات قالها لما بلغه أنّ أهل ليلى يريدون نقلها إلى الرجل الذي زوّجت به، أولها:
رعاة الليل ما فعل الصباح ... وما فعلت أوائله الملاح
وهي في ديوانه 9190.